وقال الدكتور/ محمد حسين الصغير:
سورة الحشر
{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ... (9) }
وفي قوله تعالى {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} ، تبرز استقلالية الشريف الرضي في الرأي، وشخصيته في النّقد، واعتداده بصميم بلاغة العرب فيقول:
«وهذه استعارة لأن تبوؤ الدار هو استيطانها والتمكن فيها، ولا يصح حمل ذلك على حقيقته في الإيمان، فلا بد إذن من حمله على المجاز والاتساع. فيكون المعنى أنهم استقروا في الإيمان كاستقرارهم في الأوطان. وهذا من صميم البلاغة، ولباب الفصاحة، وقد زاد اللفظ المستعار هاهنا معنى الكلام رونقا. ألا ترى كم بين قولنا: استقروا في الإيمان، وبين قولنا: تبوءوا. وأنا أقول أبدا: إن الألفاظ خدم للمعاني، لأنها تعمل في تحسين معارضها، وتنميق مطالعها» .
{لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) }
قال الشريف الرضي: «وهذا القول على سبيل المجاز.
والمعنى أن الجبل لو كان مما يعي القرآن ويعرف البيان لخشع في سماعه، ولتصدع من عظم شأنه، وعلى غلظ أجرامه، وخشونة أكنافه. فالإنسان أحق بذلك منه، إذ كان واعيا لقوارعه، وعالما بصوادعه».
وهذا الملحظ الدقيق في مجازية الآية عند الشريف الرضي مصدره:
أن لازم الخشوع والتصدع والخشية، والإدراك والمعرفة والسماع، والجبل لا يسمع ولا يعي، فتأمل أيها الإنسان وتفكّر بما ضربه الله لك من الأمثال. انتهى انتهى {مجاز القرآن، للدكتور/ محمد حسين الصغير} ...