[سورة الحشر (59) : الآيات 18 إلى 21]
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ(18)
والمراد بالغد في قوله - تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ ... يوم القيامة ..
أي: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان اتَّقُوا اللَّهَ أي صونوا أنفسكم عن كل ما يغضب الله - تعالى -، وراقبوه في السر والعلن. وقفوا عند حدوده فلا تتجاوزوها.
وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ أي: ولتنظر كل نفس، ولتتأمل في الأعمال التي عملتها في الدنيا. والتي ستحاسب عليها في يوم القيامة، فإن كانت خيرا ازدادت منها، وإن كانت غير ذلك أقلعت عنها.
وعبر - سبحانه - عن يوم القيامة بالغد، للإشعار بقربه، وأنه آت لا ريب فيه، كما يأتى اليوم الذي يلي يومك. والعرب تخبر عن المستقبل القريب بالغد كما في قول الشاعر:
فإن يك صدر هذا اليوم ولى ... فإن غدا لناظره قريب
وقال - سبحانه: وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ لإفادة العموم، أي: كل نفس عليها أن تنظر نظرة محاسبة ومراجعة في أعمالها بحيث لا تقدم إلا على ما كان صالحا منها.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى تنكير النفس والغد؟ قلت: أما تنكير النفس فاستقلالا للأنفس النواظر فيما قدمت للآخرة، كأنه قيل: ولتنظر نفس واحدة في ذلك، وأما تنكير الغد، فلتعظيمه وإبهام أمره، كأنه قيل: لغد لا يعرف كنهه لعظمه.
وعن مالك بن دينار: مكتوب على باب الجنة: وجدنا ما عملنا، وربحنا ما قدمنا، وخسرنا ما خلفنا ... .
وكرر - سبحانه - الأمر بالتقوى فقال: واتَّقُوا اللَّهَ للتأكيد. أي: اتقوا الله بأن تؤدوا ما كلفكم به من واجبات، وبأن تجتنبوا ما نهاكم عنه من سيئات.
وقوله - سبحانه: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ تعليل للحض على التقوى أي:
اتقوه في كل ما تأتون وما تذرون، لأنه - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم، بل هو - سبحانه - محيط بها إحاطة تامة، وسيجازيكم عليها بما تستحقون يوم القيامة.