وقد جاء الأمر بتقوى الله - تعالى - في عشرات الآيات من القرآن الكريم، لأن تقوى الله - تعالى - هي جماع كل خير، وملاك كل بر، ومن الأدلة على ذلك. أننا نرى القرآن يبين لنا أن تقوى الله قد أمر بها كل نبي قومه، قال - تعالى -: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ....
وتارة نجد القرآن الكريم يبين لنا الآثار الطيبة التي تترتب على تقوى الله في الدنيا والآخرة، فيقول: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ....
ويقول: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.
ويقول - سبحانه -: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ.
ويقول - عز وجل -: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.
وبعد هذا الأمر المؤكد بالتقوى، جاء النهي عن التشبه بمن خلت قلوبهم من التقوى، فقال - تعالى -: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ ....
أي: تمسكوا - أيها المؤمنون - بتقوى الله - تعالى - ومراقبته والبعد عن كل مالا يرضيه. واحذروا أن تكونوا كأولئك الذين تركوا التكاليف التي كلفهم الله - تعالى - بها، فتركهم - سبحانه - إلى أنفسهم، بأن جعلهم ناسين لها، فلم يسعوا إلى ما ينفعها، بل سعوا فيما يضرها ويرديها.
فالمراد بالنسيان هنا: الترك والإهمال، والكلام على حذف مضاف. أي: نسوا حقوق الله - تعالى - وما أوجب عليهم من تكاليف.
والفاء في قوله: فَأَنْساهُمْ للسببية، أي: أن نسيانهم لما يجب عليهم نحو أنفسهم من تهذيب وتأديب .. كان سببه نسيانهم لما يجب عليهم نحو خالقهم من طاعته وخشيته.
ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم فقال: أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي: أولئك الذين تركوا ما يجب عليهم نحو خالقهم ونحو أنفسهم، هم الفاسقون عن أمره، الخارجون على شريعته ودينه، الخالدون يوم القيامة في العذاب المهين.