فصل فِي أسرار ترتيب سور القرآن
قال الإمام أبو جعفر ابن الزبير:
سورة الممتحنة
افتتحت هذه السورة بوصية المؤمنين على ترك موالاة أعدائهم ونههيهم
عن ذلك، وأمرهم بالتبري منهم وهو المعنى الوارد في قوله خاتمة المجادلة"لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ"
إلى آخر السورة"، وقد حصل منها أن هذه أسنى أحوال أهل الإيمان، وأعلى مناصبهم"أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ""
فوصى عباده في افتتاح الممتحنة بالتنزه عن موالاة الأعداء، ووعظهم بقصة إبراهيم عليه السلام والذين معه في تبرئهم من قومهم ومعاداتهم
والاتصال في هذا بين، وكأن سورة الحشر وردت مورد الاعتراض المقصود بها تمهيد الكلام وتنبيه السامع على ما به تمام الفائدة لما ذكر أن شأن المؤمنين أنهم لا يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا أقرب الناس إليها، واعترض بتنزيهه عن مرتكباتهم، ثم أتبع ذلك بذكر ما عجله لهم من النقمة والنكال، ثم عاد الأمر إلى النهي عن موالاة الأعداء جملة، ثم لما كان أول سورة الممتحنة إنما نزل في حاطب بن أبي بلتعة
رضي الله عنه وكتابه لكفار قريش بمكة، والقصة مشهورة، وكفار مكة ليسوا من يهود، وطلب المعاداة للجميع واحد، فلهذا فصل بما هو من تمام الِإخبار بحال يهود، وحينئذ عاد الكلام إلى الوصية عن نظائرهم من الكفار المعاندين، والتحمت السور الثلاث، وكثر في سورة الممتحنة ترداد الوصايا والعهود، وطلب الوفاء بذلك كله، ولهذه المناسبة ذكر فيها الحكم في بيعة النساء، وما يشترط عليهن في ذلك، فبنى السورة على طلب الوفاء افتتاحا واختتاما حسبما بين في التفسير لينزه المؤمن عن حال من قدم ذكره في سورة الحشر وفي خاتمة سورة المجادلة. انتهى انتهى. {البرهان فِي تناسب سور القرآن صـ 333 - 334} .