فصل فِي أسرار ترتيب سور القرآن
قال الإمام أبو جعفر ابن الزبير:
سورة الصف
افتتحت بالتسبيح لما ختمت به سورة الممتحنة من قوله:"لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ"وهم اليهود، وقد تقدم الإيماء إلى ما استوجبوا به هذا، فأتبع بالتنزيه لما تقدم بيانه، فإنه مما يعقب به ذكر جرائم المرتكبات ولا يرد في غير ذلك، ثم أتبع ذلك بأمر العباد بالوفاء، وهو الذي قدم لهم في الممتحنة ليتنزهوا عن حال مستوجبي الغضب بنقيض الوفاء والمخالفة
بالقلوب والألسنة"يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم"
"لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ" (النساء: 45) "مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ" (المائدة: 43) "وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ" (النور: 45) ،
وبمجموع هذا استجمعوا اللعنة والغضب فقيل للمؤمنين"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) "
احذروا أن تشبه أحوالكم حال من استحق المقت واللعنة والغضب، ثم أتبع بحسن الجزاء لمن وفى قولا وعقداً لسانا وضميرا، وثبت على ما أمر به فقال:"إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّ .... الآية"
ثم تناسج ما بعد.
ولما كان الوارد من هذا الغرض في سورة الممتحنة قد جاء على طريق الوصية
وسبيل النصح والإشفاق، أتبع في سورة الصف بصريح العتب في ذلك والإنكار ليكون ذكره بعد ما تمهد في السورة قبل أوقع في الزجر، وتأمل كم بين قوله سبحانه:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ .... الآية."
وما تضمنت من التلطف وبين قوله:"لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) . انتهى انتهى. {البرهان فِي تناسب سور القرآن صـ 334 - 335} ."