[من روائع الأبحاث]
(فصل: فِي التفسير الموضوعي للسورة كاملة)
قال الشيخ محمد الغزالي:
سورة الصف
الرسالات الكبرى تحتاج فِي نصرتها وحمايتها إلى الجد والصدق، ولا يصلح فِي مساندتها أهل الكلام والدعوى، ولا الجبناء الذين إذا كلفوا بالجهاد تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت! إن المبطلين وأصحاب الأهواء لديهم جراءة فِي خدمة ما يعتنقون، ولن يستطيع قهرهم إلا مؤمنون شداد يستميتون فِي دعم الحق، ويرخصون فِي سبيله النفس والمال، ويتراصون فِي مواجهة العدو، كلما استشهد بطل حل مكانه آخر."ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض". أما الكلام المرسل والصياح العالى، فلا يجديان فِي بلوغ غاية. ولذلك عوتب المؤمنون الذين لا يرتفعون إلى هذا المستوى"يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون". إن المؤمن عندما يتفانى فِي مرضاة ربه، يتجاوب مع كل شيء فِي الكون يسبح بحمد ربه. أما المقصر العاصى، فهو شذوذ فِي الكون وخروج على قاعدة الطاعة، ولذلك افتتحت سورة الصف بهذه الآية."سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم". ثم وقع بعد ذلك التوبيخ، وذكرت الأمم التي لم تصدق الله، بل حادت الله ورسله. وأول هذه الأمم اليهود الذين آذوا موسى وأتعبوه وفقدوا الشجاعة فِي مقاتلة عدوه، وسرعان ما ضيعوا الكتاب الذي نزل عليهم."وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم". وخذلان أي نبي يكون بالزهد فِي تعاليمه والجزع من لقاء عدوه .. ثم ذكرت السورة عيسى وقومه .. فبينت أن عيسى عليه السلام صاحب رسالة محدودة الزمان والمكان، فهو مبعوث إلى خراف بني إسرائيل الضالة، يربطها بالتوراة التي تمردت عليها، ويعالج