(فصل آخر: من روائع الأدب العربي)
(عبقرياتهم في الوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)
قال البرقوقي:
ومما يتصل بهذا الباب عبقرياتهم في الوَعْظِ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلنورد لك صدراً من ذلك إن شاء الله
نهي من لم يتعظ عن الوعظ
قال رجلٌ لعليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه: عِظْني وأوْجِزْ، فقال: تَوَقَّ ما تَعيب.
وجاء رجل إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنه فقال: إنِّي أريد أنْ أعِظ، فقال أوَ بلغْتَ ذلك! إن لم تخشَ أن تفْتَضِحَ بثلاثِ آياتٍ من كتابِ الله فافْعل، قال: ما هي؟ قال: قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ! كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}
وقوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} ، وقول العبد الصالح شعيب {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} أأحْكَمْتَ هذه الآيات؟ قال: لا، قال: فابدأ إذَن بنفسك.
وقال شاعر:
يا واعِظَ النَّاسِ قد أصْبَحْتَ مُتَّهما ... إذ عِبْتَ مِنهمْ أموراً أنْتَ تَأتيها
كَمَنْ كَسا الناسَ مِنْ عُرْيٍ وعورتُه ... للناسِ باديةٌ ما إنْ يُواريها
حثهم على الوعظ بالفَعال دونَ المَقال
قال بعضهم: ليسَ الحكيمُ الذي يُلقِّنك الحِكْمةَ تلقينا، إنّما الحكيم
الذي يعمل العملَ الحكيمَ فتقتدي به.
وقال آخر، أخذُ المرءِ نفسَه بِحُسْنِ الأدَبِ تأديبٌ لأهْله.
ومن هذا يقول محمود الوراق:
رأيْتَ صلاحَ المرءِ يُصْلِحُ أهْلَه ... ويُعْديهم داَء الفَسادِ إذا فَسَدْ
التلطّف واللين في الوعظ
تصدّى رجُلٌ للرشيد فقال: إنِّي أريد أن أغْلِظَ عليكَ في المَقال، فهل أنْتَ مُحْتمل؟ قال: لا؛ لأن الله تعالى أرسل من هو خيرٌ منك إلى مَنْ كانَ شرّاً مني، وأمَرَه باللين، فقال تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}
وقالوا: واجِبُ مَنْ يَعِظُ أن لا يَعْنُفَ، ومَنْ يُوعظ أن لا يأنف.
الحث على الاتعاظ
قالوا: السعيدُ مَن وُعِظ بغيره والشَّقيُّ من وُعِظَ به غيرُه. وقالوا: مَنْ لمْ يتَّعظ بغيره وَعظ الله به غيرَه
وعظ مَنْ لا يتعظ
قالوا: لا ينجح الوعْظُ في القلوب القاسية، كما لا يزكو البَذر في الأرض الجاسية. وقالوا: صَقْلُك سَيفاً ليس له سِنْخٌ تَعَبٌ، وبذرُك أرضاً سَبِخةً نَصَبٌ.