وقال المؤيد بالله:
سورة الجمعة
(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً(5)
وهذا حال اليهود، فإنه تعالى مثلهم فيما حملوا من أحكام التوراة ثم أعرضوا عنها وتركوها وراء ظهورهم، بحمار يحمل كتبا كثيرة فوق ظهره، لا يدري ما اشتملت عليه من أنواع الهداية، فهكذا حال اليهود يتلون التوراة وهم أبعد الناس عن العمل بها، وعن المواظبة على ما تضمنته من الأوامر والنواهي.
(فصل)
اعلم أن الأمر الذي يقع به التشبيه منقسم إلى ما يمكن إفراد أحد أجزائه بالذكر، وإلى ما يتعذر ذلك فيه، فمثال الأول قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً)
فإن شئت جعلت التشبيه مطلق الحمار في الغباوة والجهل والبلادة وسقوط النفوس عن كريم الخصال، وشريف الفعال، وهذه حالة اليهود، وإن شئت جعلته مركبا، وهو أنه ليس الغرض إفراد الحمار بالتشبيه، ولكن الغرض تشبيه حالهم في كونهم حملوا التوراة ثم لم يحملوها حمل مثلها في امتثال أوامرها ونواهيها، كمثل الحمار في حمله للأسفار، فمثلوا في السخف بحال الحمار الحامل فوق ظهره، جعل مثلا لما كلفوه من الأحكام الشرعية و «أسفارا» جعل مثلا لنفاسة المحمول، وعدم انتفاع الحامل به، فصار حاصل الأمر أنهم مشبهون بالحمار الحامل فوق ظهره كتبا لا يدرى حالها، ولا ينتفع بها، ومن هذا قول بشار:
وكأن أجرام السماء لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق
فإن شئت جعلته من المفرد فقلت: كأن النجوم في ضوئها درر، وكأن السماء في زرقتها بساط أزرق، فهذا مقول على انفراده، وإن شئت جعلته من باب المركب فقلت: لم يكن التشبيه بمطلق الدرر، ولا بمطلق البساط، وإنما الغرض النجوم في ضوئها وتلألئها إلى زرقة أديم السماء، كبساط أزرق نثرت عليه درر صافية، ونظير هذا القسم، عقد من در وياقوت، فهو إذا فصل واحدة واحدة، فهو على حظ من الإعجاب، وهو إذا نظم في سلك واحد، فهو على حظ وافر من الزينة والحسن والنضارة. ومثال الثاني وهو ما يتعذر فيه الإفراد، قوله تعالى: (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ) [سورة إبراهيم: 26] فإن المقصود تشبيه كلمة موصوفة بالخبث بشجرة موصوفة بالخبث أيضا، فلو سلبت الكلمة صفة الخبث قائلا ومثل كلمة كشجرة خبيثة، أبطلت بلاغة الآية، وأزلت عنها رونق الفصاحة.