(فَصْلٌ: مِنْ رَوَائِعِ النُّكَتِ وَاللطَائِفِ فِي السُّورَةِ الكَرِيمَةِ)
قَالَ الإِمَامُ القَصَّابُ:
سورة المنافقين
ذكر الزنديق:
قوله: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) إلى قوله: (فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ(3) ،
حجة على من قال: الزنديق لا يستتاب، ولا تقبل توبته، بل يقتل إذا عرفت زندقته، ألا ترى إلى إخبار الله - تبارك وتعالى - عن المنافقين بإضمار الكذب، وخلاف الطوية لما يعلنون به من شهادة الحق، وجعل الأيمان جنة ليسلموا من
القتل، فكيف يجوز إذا أظهر بلسانه ما هو عَلَم لحقن الدماء وزوال القتل
عن فساد الطوية، مع تخلية الله، وتخلية رسول الله، صلى الله عليه
وسلم، بين المنافقين وسوء طواياهم، وحقن دمائهم بظاهر القول،
أترى معرفة الحاكم بطوايا المعروفين بالزندقة، إذا تابوا - بظاهر
القول - . أكثر من معرفة الله - جل وتعالى - بطوايا المنافقين؟!.
قد يمكن - لا محالة - أن يكون المعروف بالزندقة قد استوى باطنه
مع ظاهره من حيث قد خفي على الحاكم الذي لا يقدر أن يظهر على
الطوايا، كما يظهر عالم الخفيات على سرائر خلقه، فإذا كان من
لا شك في كفره - ممن يشهد الله بكذبه من المنافقين - قبل منه ظاهره
ولم يقتل، فالمعروف بالزندقة إذا أظهر القول بالتوبة، مع إمكان انتقال
حاله، وعدم ظهور الحاكم على سره أحرى أن يقبل قوله، ولا يشاط
دمه، فهذا واضح لا إشكال فيه.
ولولا أن النبي، صلى الله عليه وسلم، عذر المخطئ من
المجتهدين، ووعده عليه أجرًا واحدًا لكان مشيط دم المعروف
بالزندقة - بعد توبته - لا عذر له مع ظهور هذه الحجة، وزوال التشابه
عنها من كل جهة.
وقد أخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من المسجد ناسًا