وقال الدكتور/ محمد حسين الصغير:
سورة المنافقون
{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4) }
خذ مثلا قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ}
فقد ذهب بعض الأساتذة المعاصرين: أنهم قالوا أن فيه إطلاق الكل على البعض، والمراد تعجبك وجوههم، لأن الأجسام لا ترى كلها، وإنما يرى الوجه فحسب، ولا أرى تأويلا أبعد من هذا التأويل عن روح الآية، فالجسم وإن كان لا يرى كله، فمن المستطاع أن يدرك الإنسان بنظرة ما عليه الجسم من جمال يبعث على الإعجاب، وقد لا تريد الآية: تعجبك وجوههم، ولكنها تريد يعجبك ما عليه أجسامهم من ضخامة، وما يبدو فيها من مظاهر النماء والقوة، وما عليه وجوههم من جمال ونضرة.
هذه الملحوظة وما قاربها، لا تخلو من وجه سديد فيما يبدو، إذ لا معنى للتكلف المفرط الذي يخرج النص عن ذائقته الفطرية، تصيدا لمعان قد لا تراد، ووجوه قد لا تستحسن، وعلاقات قد لا تستصوب.
وقد تنبه أستاذنا المرحوم الدكتور أحمد عبد الستار الجواري إلى هذا المأخذ فعالجه وأشباهه معالجة فاحصة، ونقده بأدب واتزان تأمين، فمسّ النحاة والمفسرين مسا رقيقا، وعاتبهم عتابا جميلا، وهو في معرض الحديث عن هذه البادرة مضافة إلى الاستعمال القرآني الدقيق فقال: «ومن لطائف الاستعمال القرآني كثرة ورود المصدر وصفا إما على سبيل الإسناد خبرا، أو على سبيل النعت أو الحال. قال تعالى في سورة الإسراء: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى} .
وقال تعالى في سورة الكهف: {فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً 40 أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً 41} .
والمصدر في الآية الأولى خبر المبتدأ، وهم يزعمون أن اسم المعنى لا يخبر به عن اسم الذات فتأمل. وفي الآية الثانية خبر الفعل الناسخ.
وقال تعالى في سورة الفرقان:
{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً} يقول الزمخشري:
«هونا حال أو صفة للمشي، إلا أن وضع المصدر موضع الصفة مبالغة» .