ومن لطائف ونكات تفسير القنوجي:
سورة المنافقون
(إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ(1)
وإنما عبر عن الحلف بالشهادة لأن كل واحد من الحلف والشهادة إثبات لأمر معين ويحتمل أن يكون ذلك محمولاً على ظاهره نفياً للنفاق عن أنفسهم، وهو الأشبه، ومثل نشهد نعلم فإنه أيضاً يجري مجرى القسم، كما في قول الشاعر:
ولقد علمت لتأتين منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها
(والله يعلم إنك لرسوله) جملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها، وهو ما أظهروه من الشهادة، وإن كانت بواطنهم على خلاف ذلك (والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) أي في شهادتهم التي زعموا أنها من صميم القلب، وخلوص الاعتقاد، لا في منطوق كلامهم، وهو الشهادة بالرسالة، فإنه حق يعني أنهم لكاذبون فيما تضمنه كلامهم، من التأكيد الدال على أن شهادتهم بذلك صادرة عن خلوص اعتقاد، وطمأنينة قلب، وموافقة باطن لظاهر، أو إنهم كاذبون عند أنفسهم، لأنهم كانوا يعتقدون أن قولهم: (إنك لرسول الله) كذب، وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه.
(يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ...(8)
القائل لهذه المقالة هو عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين، وعنى بالأعز نفسه ومن معه، وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، والمراد بالرجوع رجوعهم من تلك الغزوة، وإنما أسند القول إلى المنافقين مع كون القائل فرداً من أفرادهم وهو ابن أبيّ لكونه رئيسهم، وصاحب أمرهم، وهم راضون بما يقوله السامعون له مطيعون. انتهى انتهى {فتح البيان في مقاصد القرآن} ...