(فصل)
قال أبو عبد الله بن الأزرق الحميري:
إن قيل: كيف يجمع بين قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} ، وبين قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} .
قال ابن جني: «والتقاؤهما من قبل أن «الفاء» في قوله تعالى: {فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} إنما دخلت لما في الصفة التي هي قوله: {الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ} من معنى الشرط أي إن فررتم منه لاقاكم، فهربهم منه سبب للقيه إياهم (على وجه المبالغة) كما قال زهير:
«ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السّماء بسلّم»
فمعنى «الشرط» إنما هو مفاد من الصفة لا الموصوف، وكذلك قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} إنما استحقوا الويل لسهوهم عن الصلاة لا للصلاة نفسها، والسهو مفاد من الصفة لا من الموصوف.
قال: فقد ترى إلى اجتماع الصفتين في «أن» المستحق من المعنى إنما هو لما فيهما من الفعل الذي هو الفرار والسّهو، وليس من نفس الموصوفين اللذين هما الموت والمصلون.
قال: وليس كذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} ، من قبل أن معنى الفعل المشروط به هنا إنّما هو مفاد من نفس الاسم الذي ليس موصوفا وهو: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ} ، وهذا واضح.
قال: وقال لي أبو علي رحمه الله إني لم أودع كتاب في «الحجة» شيئا من انتزاع أبي العبّاس غير هذا الموضع، وهو قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} مع قوله:
«ومن هاب أسباب المنايا ينلنه»
وكان رحمه الله يستحسن الجمع بينهما» اهـ. انتهى انتهى {روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام، للحميري} ...