ومن لطائف ونكات ابن الأثير:
سورة الحشر
{وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ... (2) }
وأما تقديم خبر المبتدأ عليه فقد تقدمت صورته، كقولك:"زيد قائم"،"وقائم زيد".
فمما ورد منه في القرآن قوله تعالى: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ} .
فإنه إنما قال ذلك، ولم يقل: وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم؛ لأن في تقديم الخبر الذي هو"مانعتهم"على المبتدأ الذي هو"حصونهم"دليلا على فرط اعتقادهم في حصانتها، وزيادة وثوقهم بمنعها إياهم.
وفي تصويب ضميرهم اسما؛ لأن وإسناد الجملة إليه دليل على تقريرهم في أنفسهم أنهم في عزة، وامتناع لا يبالي معها بقصد قاصد ولا تعرض متعرض، وليس شيء من ذلك في قولك: وظنوا أن حصونهم مانعتهم من الله.
{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ... (9) }
وأما القسم الرابع والخامس اللذان هما أشكل الأقسام المذكورة في تقدير أداة التشبيه فيهما فإنهما، لا يتفطن لهما أنهما تشبيه.
فمما جاء من القسم الرابع قوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} وتقدير أداة التشبيه في هذا الموضع أن يقال: هم في إيمانهم كالمتبوئ دارًا؛ أي أنهم قد اتخذوا الإيمان مسكنًا يسكنونه، يصف بذلك تمكنهم منه.
وعلى هذا ورد قول أبي تمام:
نطقت مقلة الفتى الملهوف ... فتشكت بفيض دمعٍ ذروف
وإذا أردنا أن نقدر أداة التشبيه ههنا قلنا: دمع العين كنطق اللسان، أو قلنا: العين الباكية كأنما تنطق بما في الضمير. انتهى انتهى {المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، لابن الأثير} ...