قوله - جلَّ جلالُه: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(1) .
روي: أنها نزلت في خولة بنت ثعلبة، كان زوجها أوس بن الصامت وكان من الأنصار، قال لها: أنت عليَّ
كظهر أمي، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فكلمته في بيته في ذلك، قالت عائشة لما نزل بذلك
القرآن:"الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كلمتْ رسول الله في جانب"
البيت وما أسمع ما تقول حتى نزل بذلك القرآن"."
التحاور: التراجع في الكلام، من حار يحور، أي: رجع يرجع، والظهار يكون
بذوات المحارم كلهن؛ لما سنذكره بعد إن شاء الله، وذلك أن الله - جلَّ جلالُه - قال مبيِّنًا نكير
ما قاله المظاهر وزور ما ذكره: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ...(2)
وقرأها عاصم:"أمهاتُهم"برفع التاء.
(إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا)
فأعلم - جلَّ ذكره - بصدق قيله: إن نساءنا لا يكن لنا بأمهات
لتظاهرنا منهن، وإنما أمهاتنا اللاتي ولدننا والدات مرضعات حاملات، وفي ذلك
كله معاني الخلقة، وتماشج أمشاج ونشء عن رضاع، فيجتمع فيها من معاني اسم
الرحمن - جلَّ ذكره - الخلقة والنشء والرزق والمصور، فوجب بذلك تحريمهن
ألبتة، واسم الرزق والنشء في الرضاع، فوجب أيضًا بالحق الواجب تحريم
المراضع، وموجود معئ الخلقة بالأخوات والأمهات والبنات، فوجب بذلك كله
تحريم قرابات النسب المداني لمعاني الخلقة والنشء والرزق في مدة الافتقار إلى
ذلك الرزق لتوحده بنشء الخلقة.
ولما تظاهر هذا المظاهر من امرأته وجاء من الله - جلَّ ذكره - هذا النكير
عليه، لزور قوله وتكذيبه علمنا أنه ما جعل ذلك عليه إلا لحرمة الأم الوالدة، ولم
يحرم عليه من والدته النظر ولا الكلام بالمعروف، وإنما حرم الوطء والرفث
الجالب للوطء.