وقال القاضي عبد الجبار الهمذاني (المعتزلي) :
سورة المجادلة
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ) أليس ذلك كله يدل على جواز المكان على الله تعالى؟ وجوابنا بل يدلّ ذلك على خلافه لأنه قال تعالى (وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ) فالمراد به العلم والتّبيّن لا أنه كائن معهم ولذلك خصّ تعالى النّجوى التي تستر ليبيّن أنه عالم بكل ما يخفي على سواه ولذلك قال تعالى بعده (فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ) ولولا صحّة ذلك لوجب أن يكون تعالى مع كل واحد منّا حتى يكون في الأماكن كلّها وحتى إذا انتقل أحدنا من مكان إلى مكان يجب أن يكون تعالى منتقلا ليكون معه وذلك يوجب فيه انه محدث تعالى الله عزّ وجلّ وقوله تعالى من قبل في صيام الظّهار (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً) يدل على قولنا لأن عندهم أن الصحيح القوي لم يدخل في الصوم ولو يستطيع الصيام فلا يكون لهذا الشرط فائدة بل يلزم الكل الإطعام والقول في الإطعام كالقول في الصيام وقوله تعالى من بعد (إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ) ولم يقل من الرحمن يدل على انه فعل العباد لا خلق الله تعالى وقوله (وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) يعني أن كل ضرر من غمّ وغيره يحصل عند الوسوسة
فليس من فعل الشيطان بل هو من قبل الله تعالى وهذا خلاف قولهم إن الشيطان يحبط الأعمال.
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) كيف يصح أن يحلفوا على الكذب في الآخرة وقوله تعالى بعده (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ) ؟ وجوابنا أن المراد بذلك أنهم يحلفون أنهم كانوا مؤمنين عند أنفسهم لا كفارا فلا يكون ذلك كذبا منهم وقوله تعالى (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ) يعني في الدنيا فلا سؤال علينا فيه وقوله تعالى (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ) المراد به فعل ما عنده فسقوا وأطاعوه.
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ) أليس ذلك يدل على أنه خلق الإيمان؟ وجوابنا أن المراد أنه كتب ما يعلم به الملائكة إيمانهم فنحن نحمله على الحقيقة وان كان الإيمان من فعل العبد. انتهى انتهى. {تنزيه القرآن عن المطاعن / للقاضي عبد الجبار (المعتزلي) صـ 418 - 419} .