ومن لطائف ونكات تفسير حدائق الروح والريحان:
سورة المجادلة
{الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ... (2) }
فإن قلت: قوله: أنت عليَّ كظهر أمي، إنشاء لتحريم الاستمتاع بها وليس بخبر، والإنشاء لا يوصف بالكذب؟
قلت: هذا الإنشاء يتضمن إلحاق الزوجة المحللة بالأم المحرمة أبدًا، وهذا إلحاق مناف لمقتضى الزوجية، فيكون كاذبًا.
وقال بعضهم: لمّا كان مبنى طلاق الجاهلية الأمر المنكر الزور لم يجعله الله طلاقًا، ولم تبق الحرمة إلا إلى وقت التكفير.
والمعنى: أي وإنهم ليقولون قولًا منكرًا لا يجيزه شرع ولا يرضى به عقل ولا يوافق عليه ذو طبع سليم، فكيف تشبه من يسكن إليها، وتسكن إليه، وجعل بينه وبينها مودةً ورحمة وصلة خاصة لا تكون لأم ولا لأخت بمن جعل صلتها بابنها صلة الكرامة والحنو والإجلال والتعظيم؟ إلى أن الرجل قوام على المرأة، له حق تأديبها إذا اعوجت، وهجرانها في المضاجع إذا جمحت. ولم يعط ذلك الابن ليعامل به أمه؟ فهذا زور وبهتان عظيم. ولا يخفى ما في هذان الاستهجان وشديد التشنيع على صدور هذا القول منهم.
فإن قيل: فحاصل الظهار مثلًا: أنت محرّمة عليّ كما حرمت علي أمي، وليس فيه دعوى الأمومة حتى تنفى وتثبت للوالدات؟
يقال: إن ذلك التحريم في حكم دعوى الأمومة، وأنّ المراد: نفي المشابهة، لكن نفي الأمومة للمبالغة فيه.
وإن قيل: إذا كان ترك الظهار مفروضًا فما بال الفقهاء يجعلونه بابًا في الفقه؟
أجيب: بأن الله تعالى، وإن أنكر الظهار وشنع على من تعوّد به من الجاهلين، إلا أنه تعالى وضع له أحكامًا يعمل بها من ابتلي به من الغافلين، فبهذا الاعتبار جعلوه بابًا ليبينوا تلك الأحكام، وزادوا قدر ما يحتاج إليه مع أن المحققين قالوا: إن أكثر الأحكام الشرعية للجهال؛ فإن الناس لو احترزوا عن سوء المقال والفعال .. لما احتيج إلى تكثير القيل والقال.
ودلّت الآية على أن الظهار أكثر خطأ من الحنث في اليمين، لكون كفارته أغلظ من كفارة الحنث.