وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري:
سُورة المجادَلة
1 -قوله تعالى: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِم مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ. .)
قال ذلك هنا، وقال بعده"وَالذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ"لأن الأول خطابٌ للعرب خاصة، وكان طلاقهم في الجاهلية الظهار، والثاني بيان أحكام الظهار للنَّاسِ عامة.
2 -قوله تعالى: (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .
ختمه هنا بـ"أليمٌ"وبعده بـ"مهينٌ"لأن الأول متَّصل بضدِّه وهو الِإيمان، فتوعَّدهم على الكفر بالعذاب الأليم، الذي هو جزاء الكافرين، والثاني متصل بقوله"كُبِتوا"وهو الإِذلالُ والِإهانة، فوصف العذاب بمثل ذلك فقال"مهين".
3 -قوله تعالى: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلّاَ هُوَ سَادِسُهُمْ. .) الآية.
إن قلت: لمَ خصَّ"الثلاثة"و"الخمسة"بالذّكر؟
قلت: لأن قوماً من المنافقين تحلَّقوا للتناجي، وكانوا بعدَّة العدد المذكور، مغايظةً للمؤمنين (1) ، فنزلت الآية بصفة حالهم عند تناجيهم، أو لأن العدد الفرد أشرفُ من الزوج، لأن الله تعالى وترٌ يحبُّ الوتر، فخُصِّص العددان المذكوران بالذّكر، تنبيهاً على أنه لا بدَّ من رعاية الأمور الِإلهية في جميع الأمور، ثم بعدد ذكرهما زيد عليهما ما يعمُّ غيرهما من المتناجين بقوله"وَلَا أَدْنى منْ ذَلِكَ وَلَا أَكثرَ"تعميماً للفائدة.
4 -قوله تعالى: (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)
أي أنهم كاذبون.
إن قلتَ: ما فائدةُ الِإخبار عنهم بذلك؟
قلتُ: فائدتُه بيانُ ذمِّهم بارتكابهم اليمين الغموس.
"تَمَّتْ سُورَةُ المجادلة".انتهى انتهى. {فتح الرحمن صـ 343 - 344}
(1) غرض الآية أنه تعالى لا يخفى عليه سر ولا علانية، فإنه لا يحدث سر أو كلام في الخفاء، بين ثلاثة أشخاص إلا كان الله رابعهم بعلمه، يعلم ما يتحدثون ويتهامسون به، ولا يقع حديث ولا مناجاة بين خمسة أشخاص، إلًّا كان الله معهم بعلمه، والمرادُ با المعية معيَّةُ العلم لا معيًةُ الذات، ومما يدلُّ عليه أن الله تعالى بدأ الآية بالعلم فقال (أَلم تر أنَ اللَّهَ يعلمُ) وختمها بالعلم فقال (إن اللهَ بكل شيءٍ عليم) ، قال ابن كثير: وقد حكى غير واحدٍ الِإجماع على أن المراد بالمعية في هذه الآية، معية علمه تعالى، ولا شك في إرادة ذلك، فسمعه مع علمه محيط بهم، لا يغبب عنه من أمورهم شيء.