قَوْلُه تَعَالَى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ...(25)
قوله:(أي الْمَلَائكَة إلَى الْأَنْبيَاء أو الْأَنْبيَاء إلَى الأمم.
بِالْبَيِّناتِ. بالحجج والمعجزات)وفيه
تَغْليب إن كان الْمُرَاد الاحتمال الأول؛ لأن رسل الْمَلَائكَة رسل بالمعجزات بالنسبة إلَى نبينا
عَلَيْهِ السَّلَامُ دون غيره فغلب رسولنا عَلَى غيره عَلَى أن المعجزة أمر خارق للعادة يخلقها
اللَّه تَعَالَى عَلَى يد مدعي النبوة كقلب العصا حية وإحياء الموتى وشق القمر وغير ذلك.
وإرسال الْمَلَائكَة بالْقُرْآن إلَى نبينا عَلَيْهِ السَّلَامُ كونه كَذَلكَ محل نظر عَلَى أن الأمين بالوحي
جبْريل عَلَيْهِ السَّلَامُ فما معنى جمع الْمَلَائكَة، إلا أن يقال إنه للتعظيم، والتفعل في أوائل
سورة فاطر فالأحسن الاكتفاء بالوجه الثاني كما في سائر المواضع، والكَشَّاف اكتفى بالأول.
وهذا عجب لا يعرف له وجه. وقال المحشي: إن فسر الرسل بالْمَلَائكَة تفسر الْبَيّنَات بالحجج
وإن فسر بالْأَنْبيَاء تفسر الْبَيّنَات بكل منهما أو بما يعمهما فتأمل.
قوله: (أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ) لفظة مع لا يقتضي المقارنة كما حقق السعدي في
تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ) الآية. ويدل عليه قوله
تَعَالَى: (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وقَوْلُه تَعَالَى:(فاستقم
كما أمرت وَمَنْ تَابَ مَعَكَ)الآية. فلا يقال إن كان مرجع الضَّمير الرسل
بمعنى الْمَلَائكَة فلا إشكال فيه إلا أنه كان يَنْبَغي الاقتصار عليه كما في الكَشَّاف فإن
هذا حِينَئِذٍ بناء عَلَى أن مع للمقارنة، وقد عرفت عدم اقتضائه ولو سلم فما يقال هُوَ في
مثل قَوْلُه تَعَالَى: (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ) الآية. نقول هنا أَيْضًا فما في
الكَشَّاف فليس بأولى بل يحتاج إلَى تمحل كما عرفته، ثم الْإنْزَال معهم الْكتَاب يعم
جميع الْأَنْبيَاء عليهم السلام؛ إذ الْإنْزَال يطلق عَلَى من أنزل عليه بالذات وعلى من أمر