سورة الحديد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{سبح لله ما فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}
أي: أظهر كل موجود تنزيهه عن الشريك والولد، وكل مالا يليق به، وآذن بانفراده في ألوهيته، وتدبيره وعلمه وقدرته؛ فإن من شاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها على حال من الترتيب والإحكام، وربط الأسباب بالمسببات، واستحالة بعض الموجودات إلى بعض، لا تنقضي عجائبه، ولا تنتهي غاياته، فبالضرورة يقضي بأن هذا الترتيب المحكَم هو أثرُ خالق واحد، مدبر لنظامه، مريد لسيره في سننه، كما بسطناه في"دلائل التوحيد".
{وَهُوَ الْعَزِيزُ} أي: القويّ الذي يقهر كل ما في السماوات والأرض {الْحَكِيمُ} أي: الذي رتب نظام كل موجود على ترتيب حكمي.
{لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: سلطانهما، ونفوذ الأمر فيهما {يُحْيِي وَيُمِيتُ} أي: يوجد ما يشاء من الحيوان والنبات كيفما شاء، ويميته بعد بلوغه أجله فيفنيه {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي: تام القدرة، فلا يتعذر عليه شيء أراده من إحياء وإماته وغيرهما.
{هُوَ الْأَوَّلُ} أي: السابق على كل موجود، من حيث إنه موجده ومحدثه {وَالآخِرَ} أي: الباقي بعد فناء كل شيء {وَالظَّاهِرُ} أي: وجوده بالأدلة الدالة عليه. وقال ابن جرير: أي: الظاهر على كل شيء من دونه، وهو العالي فوق كل شيء فلا شيء أعلى منه {وَالْبَاطِنُ} أي: باحتجابه بذاته وماهيته، أو العالم بباطن كل شيء. قال ابن جرير: أي: الباطن جميع الأشياء فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] ، {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي: تام العلم، فلا يخفى عليه شيء.