{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}
استئناف ابتدائي هو تخلص من قوله تعالى: {أحصاه الله ونسوه} [المجادلة: 6] إلى ذكر علم الله بأحوال المنافقين وأحلافهم اليهود.
فكان المنافقون يناجي بعضهم بعضاً ليُرِيَ للمسلمين مودة بعض المنافقين لبعض فإن المنافقين بتناجيهم يظهرون أنهم طائفة أمرها واحد وكلمتها واحدة، وهم وإن كانوا يظهرون الإِسلام يحِبّون أن تكون لهم خيفة في قلوب المسلمين يتقون بها بأسهم إن اتهَموا بعضهم بالنفاق أو بدرت من أحدهم بادرة تنمّ بنفاقه، فلا يُقدم المؤمنون على أذاه لعلمهم بأن له بطانة تدافع عنه.
وكانوا إذا مرّ بهم المسلمون نظروا إليهم فحسب المارّون لعلّ حدثاً حدث من مصيبة، وكان المسلمون يومئذٍ على توقع حرب مع المشركين في كل حين فيتوهّمون أن مناجاة المتناجين حديث عن قرب العدوّ أو عن هزيمة للمسلمين في السرايَا التي يَخرجون فيها، فنزلت هذه الآيات لإِشعار المنافقين بعلم الله بماذا يتناجون، وأنه مُطلع رسوله على دخيلتهم ليكفُّوا عن الكيد للمسلمين.
فهذه الآية تمهيد لقوله تعالى: {ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى} الآية [المجادلة: 8] .
و {ألم تر} من الرؤية العلمية لأن علم الله لا يُرى وسَدَّ المصدر مسدَّ المفعول.
والتقدير: ألم ترَ الله عالماً.
و {ما في السماوات وما في الأرض} يعمّ المبصرات والمسموعات فهو أعم من قوله: {والله على كل شيء شهيد} [المجادلة: 6] لاختصاصه بعلم المشاهدات لأن الغرض المفتتح به هذه الجملة هو علم المسموعات.
وجملة {ما يكون من نجوى ثلاثة} إلى آخرها بدل البعض من الكل فإن معنى قوله: {إلا هو رابعهم} .
وقوله: {إلا هو سادسهم} وقوله: {إلا هو معهم} ، أنه مطلع على ما يتناجون فيه فكأنه تعالى نجيّ معهم.
و {ما} نافية.