[من روائع الأبحاث القيمة والنفيسة]
(فصل)
من اللطائف الرائقة والنكات الفائقة في السورة الكريمة:
قال الإمام فخر الدين الرازي:
سُورَةُ الْحَشْرِ
(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ...(2)
وهاهنا سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: مَا مَعْنَى هَذِهِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ: (لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) ؟
الْجَوَابُ: إِنَّهَا هِيَ اللَّامُ فِي قَوْلِكَ: جِئْتُ لِوَقْتِ كَذَا، وَالْمَعْنَى: أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا عِنْدَ أَوَّلِ الْحَشْرِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: مَا مَعْنَى أَوَّلِ الْحَشْرِ؟
الْجَوَابُ: أَنَّ الْحَشْرَ هُوَ إِخْرَاجُ الْجَمْعِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَأَمَّا أَنَّهُ لِمَ سُمِّيَ هَذَا الْحَشْرُ بِأَوَّلِ الْحَشْرِ فَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْأَكْثَرِينَ أَنَّ هَذَا أَوَّلُ حشر أهل الْكِتَابِ، أَيْ أَوَّلُ مَرَّةٍ حُشِرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ لَمْ يُصِبْهُمْ هَذَا الذُّلُّ قَبْلَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ مَنْعَةٍ وَعِزٍّ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ إِخْرَاجَهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ حَشْرًا، وَجَعَلَهُ أَوَّلَ الْحَشْرِ مِنْ حَيْثُ يُحْشَرُ النَّاسُ لِلسَّاعَةِ إِلَى نَاحِيَةِ الشَّامِ، ثُمَّ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ هُنَاكَ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّ هَذَا أَوَّلُ حَشْرِهِمْ، وَأَمَّا آخِرُ حَشْرِهِمْ فَهُوَ إِجْلَاءُ عُمَرَ إِيَّاهُمْ مِنْ خَيْبَرَ إِلَى الشَّامِ.
وَرَابِعُهَا: مَعْنَاهُ أَخْرَجَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ مَا يَحْشُرُهُمْ لِقِتَالِهِمْ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ قتال قاتلهم رسول اللَّه.
وَخَامِسُهَا: قَالَ قَتَادَةُ هَذَا أَوَّلُ الْحَشْرِ، وَالْحَشْرُ الثَّانِي نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا: وَذَكَرُوا أَنَّ تِلْكَ النَّارَ تُرَى بالليل ولا ترى بالنهار.
* «فَإِنْ قِيلَ» : مَا الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِكَ: ظَنُّوا أَنَّ حُصُونَهُمْ تَمْنَعُهُمْ أَوْ مَانِعَتُهُمْ وَبَيْنَ النَّظْمِ الَّذِي جَاءَ عَلَيْهِ؟