وقال أحد المحدثين:
إنَي إذا هَرَّ كلْبُ الحيِّ قلتُ لهُ ... اسْلَمْ وربُّكَ مخنوقٌ على الجِرَرِ
وفي مثلِ اخْتيارِ النّبيل لتتكافأَ الأعْراض قول الأخطل:
شَفى النفسَ قَتْلَى من سُليمٍ وعامرٍ ... ولم يَشْفِها قَتلَى غَنيّ ولا جَسْرِ
ولا جُشَمٍ شَرِّ القبائلِ إنّها ... كبيضِ القَطا ليسوا بِسودٍ ولا حُمْرِ
ولَوْ بِبَني ذُبيانَ بُلَّتْ رِماحُنا ... لقَرَّتْ بِهمْ عَيْني وباَء بِهمْ وِتْري
وقال رجلٌ من المحدثين وهو حمدانُ بنُ أبان اللاّحِقي:
ألَيْسَ مِنَ الكَبائرِ أنّ وَغْداً ... لآلِ مُعَذَّلٍ يَهْجو سَدوسا
هَجا عِرْضاً لَهمْ غَضًّا جَديداً ... وأهْدفَ عِرْضَ والِدِه اللَّبيسا
وقال آخر:
اللّؤْمُ أكْرمُ مِنْ وَبْرٍ ووالدِه ... واللّؤْمُ أكْرمُ مِنْ وَبْرٍ وما وَلَدا
قومٌ إذا جَرَّ جاني قومِهم أَمِنوا ... مِنْ لُؤْمِ أحْسابِهمْ أنْ يُقتلوا قَوَدا
اللّؤْمُ داءٌ لِوَبْرٍ يُقْتَلونَ بهِ ... لا يُقْتَلونَ بِداءٍ غَيْرِه أبَدا
وقال أحد المحدثين هو - دِعْبِل بن علي الخزاعي:
أمّا الهجاء فَدَقَّ عِرْضُك دونَه ... والمَدْحُ عَنْك كَما عَلِمْتَ جليلُ
فاذْهَبْ فأنْتَ عَتيقُ عِرْضِك إنّه ... عِرْضٌ عَزَزْتَ بهِ وأنْتَ ذَليلُ
وقال آخر:
نُبِّئْتُ كلْباً هابَ رمْيي لَه ... يَنْبَحُني مِنْ مَوْضعٍ نائي
لَوْ كنتَ مِنْ شيءٍ هَجَوْناك أوْ ... لوْ بِنْتَ للسَّامعِ والرائي
فعَدِّ عَنْ شَتْمي فإنّي امْرؤٌ ... حَلَّمَني قِلَّةُ أكْفاني
وقال دعبل أيضاً:
فلَوْ أنّي بُليتُ بِهاشِمِيٍّ ... خُؤولتُه بَنو عَبْدِ المدانِ
صَبَرْتُ على عَداوَتِه ولكِنْ ... تَعالَيْ فانْظُري بِمَنِ ابْتلاني
ووقف رجلٌ عليه مقطَّعاتٌ على الأحنف بن قيس يسبُّه، وكان عمرو بن الأهْتم جعلَ له ألفَ دِرهمٍ على أن يُسفِّه الأحنف، فجعل لا يَأْلو أنْ يَسبَّه سبًّا يُغضِب، والأحْنَفُ مُطْرقٌ صامتٌ، فلما رآه لا يُكلمه أقبل الرجلُ يَعَضُّ إبْهامَيْه ويقول: يا سَوْأتاه، والله ما يمنعُه من جوابي إلا هَواني عليه ...
وفعلَ ذلك آخرُ فأمسكَ عنه الأحنف، فأكثرَ الرجلُ، إلى أن أراد الأحنفُ القيامَ للغَداء فأقبَل على الرَّجل فقال: يا هذا، إنَّ غَداءَنا قدْ حَضَرَ فانْهَضْ بنا إليه إن شئتَ فإنك مُذ اليوم تحْدو بِجَملٍ ثَفال. انتهى انتهى {الذخائر والعبقريات، للبرقوقي} ...