قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: «الْمَصَائِبُ وَالرِّزْقُ وَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا مِمَّا تُحِبُّ وَتَكْرَهُ فَرَغَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَبْرَأَ النُّفُوسَ وَيَخْلُقَهَا»
وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِذَلِكَ: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي دِينٍ وَلَا دُنْيَا
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى {فِي} الَّتِي بَعْدَ قَوْلِهِ: {إِلَّا} فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: يُرِيدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ: إِلَّا هِيَ فِي كِتَابٍ، فَجَازَ فِيهِ الْإِضْمَارُ قَالَ: وَيَقُولُ: عِنْدِي هَذَا لَيْسَ إِلَّا يُرِيدُ إِلَّا هُوَ وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْهُمْ، قَوْلَهُ: {فِي كِتَابٍ} مِنْ صِلَةِ مَا أَصَابَ، وَلَيْسَ إِضْمَارُ هُوَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ: لَيْسَ قَوْلُهُ عِنْدِي هَذَا لَيْسَ إِلَّا مِثْلَهُ، لِأَنَّ إِلَّا تَكْفِي مِنَ الْفِعْلِ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ غَيْرُهُ.
وَقَوْلُهُ: {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ خَلْقَ النُّفُوسِ، وَإِحْصَاءَ مَا هِيَ لَاقِيَةٌ مِنَ الْمَصَائِبِ عَلَى اللَّهِ سَهْلٌ يَسِيرٌ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا أَصَابَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي أَمْوَالِكُمْ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ، إِلَّا فِي كِتَابٍ قَدْ كُتِبَ ذَلِكَ فِيهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَخْلُقَ نُفُوسَكُمْ
{لِكَيْلَا تَأْسَوْا}
يَقُولُ: لِكَيْلَا تَحْزَنُوا {عَلَى مَا فَاتَكُمْ} مِنَ الدُّنْيَا، فَلَمْ تُدْرِكُوهُ مِنْهَا {وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} مِنْهَا
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {بِمَا آتَاكُمْ} إِذَا مُدَّتِ الْأَلِفُ مِنْهَا: بِالَّذِي أَعْطَاكُمْ مِنْهَا رَبُّكُمْ وَمَلَّكَكُمْ وَخَوَّلَكُمْ؛ وَإِذَا قُصِرَتِ الْأَلِفُ، فَمَعْنَاهَا: بِالَّذِي جَاءَكُمْ مِنْهَا.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} قَالَ: «الصَّبْرُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، وَالشُّكْرُ عِنْدَ النِّعْمَةِ»
وقَالَ: «لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا يَحْزَنُ وَيَفْرَحُ، وَلَكِنْ مَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَجَعَلَهَا صَبْرًا، وَمَنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ فَجَعَلَهُ شُكْرًا»