إلى كبر ومن شباب إلى هرم، يغذيكم بما يخرج من الأرض وما يكون عن الماء
المنزل من السماء، هلا تذكرتم ذلك في النشأة التي أنكرتموها وكُوِّنتم بكونها
فتحققتم الآخرة منهما بالأولى، لكنكم تؤفكون.
قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ(63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64)
أي: من الذي يخلقه زرعًا وطعامًا تأكلونه فتكونون عنه يعرض
بخلقه إياهم عن الأرض ويوقفهم على مشاهدة عجزهم عن إخراجه وإنباته
وإنشائه؛ أعني: الزرع وإتمامه إلى غايته، ثم إذا أكلوه من المقسم غذاءه على أجزاء
أجسامهم من الخالق النشء عن ذلك من جاعل الحياة فيما ينشئه عن ذلك.
يقول: ومما تحقق أن أنشأناه أننا (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا ...(65) .
فإن المعهود أنه من اقتدر على شيء وأن من كماله أن يدفع عنه آفاته ليخلص عمله، فإن كنتم أنتم
زرعتموه هلا دفعتم عنه آفة اليبس حتى تتمونه ذلك؟.
قوله - جل من قائل: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ(65)
قرا أبو حيوة:"فظِلتم"بكسر الظاء، وقرأ حمد بن موسى؛"فظللتم"بلامين، وقرأ
عبد الله:"فظلتم تفكنون"وهي لغة عكل في التندم في الوجهين جميعًا يتعجبون،
الفكه هو: المتردد في القول الذاهب فيه كل مذهب.
من ذلك قولهم تارة: (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ(66) . وتارة: (بَلْ نَحْنُ
مَحْرُومُونَ (67) . وقوله في أهل الجنة: (فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ)
معجبون مغتبطون، آخدون منه ما شاءوا كيف شاءوا، والفكه أيضًا:
النادم، فظلتم تندمون، أي: على أعمال أوجبت ذلك، كقوله:(فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ
حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ)يحرض بالمن والإفضال
ويعدد أنعامه في ذلك.
قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ(68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) .
يعرض بخلقه إياهم من الماء كما تقدم من تعريضه
بخلقه إياهم من التراب ومن المني المجموع فيه الأصول كلها، ومضاف إلى ذلك