الحيوان أبوه وأمه، والحيوان هي الدار الآخرة (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ
كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) . ولذلك كان ما يكون عنه هو الحيوان والإحياء
والجنات على أنواعها.
ثم قال - عز من قائل: (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا ...(70) . الأجاج: الملح
الزعاق، فكان لا ينبت نباتًا ينفع ولا يشفي غلة عاطش، وبوجه آخر: وهو أن الله - جلَّ جلالُه -
يرسل الرياح لواقح فتلقح السحاب في الجو، ثم ينزله إلى الأرض والأجواء قد
امتلأت والأرض من فيح جهنم - أعاذنا الله منها برحمته - ومنبعث الأجاج صفات
جهنم، كما منبعث الزلال العذب صفات الجنة، فكان أقرب إلى الماء المنزل إلى
الأرض أن يكون أجاجًا؛ إذ الهواء أبوه والأرض مستقره، لولا يسبقه فتح رحمته
على ذلك بأن أنزله زلالاً طاهرًا مطهرًا مباركًا جعل منه كل شيء حي، والحمد لله
رب العالمين.
لذلك أعقب بقوله - جل من قائل: (فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) أي:
تؤمنون بالله الذي خلقه وأنزله رحمة بكم وتصدقوا برسوله المبلغِ عنه إليكم،
وبالدار الآخرة التي عنها منبعث هذا الأمر، وتطيعون قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي
تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) . يقول: أوْرَيْت
النار: إذا قدحتها من زنادها، ووريت الزند أرى وورى، وهو يورى: إذا انقدحت منه
النار، والعرب تقدح بالزند والزندة، وهو خشب يحك بعضه إلى بعض فتخرج منه النار.
يقول تعالى: (أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ(72) . يعرض
بخلقه إياهم من الأرض والماء والهواء والنار إلا أن الماء والأرض لخلق الأركان
والأخلاق والصفات للهواء والنار وبآخره يدخل هذا الصنف على هذا وهذا على
هذا، فكما هو منشئ النار في الشجر وإن لم تكن نارًا في الشجر، فكذلك ينشئ
أجسام العباد وإن لم يكن بها حياة فإذا شاء إحياءها نفخ في الصور (فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ
يَنْظُرُونَ (68) . فوزان قدح النار من الشجر والزناد وزان الصيحة بهم، ووزان
إنشائه الأجسام وزان إنشائه شجرة النار.