فلم يرضَ أن يجعلهم أنعاماً ودواب حتى جعلهم أضلَّ منها وجعلهم من أشرارها، وأخرج كلامهم عن جملة البيان فقال تعالى: (وما كان صلاتهم عند بيت إلا مُكاءً وتَصْدِيَة) تنبيها على أنهم كالطيور التي تمكو وتُصَدّي ونبه تعالى بنكتة لطيفة على أن الإنسان لا يكون إنساناً إلاَّ بالدين ولا ذا بيان إلا بقدرته على الإتيان بالحقائق الدينية فقال تعالى: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ} فابتدأ بتعليم القرآن ثم بخلق الإنسان ثم بتعليم البيان، ولم يدخل الواو فيما بينهما وكان الوجه على متعارف الناس أن يقول خلق الإنسان وعلمه البيان وعلمه القرآن، فان إيجاد الإنسان بحسب نظرنا مقدم على تعليم البيان وتعليم البيان مقدم على تعليم القرآن، لكن لما لم يُعَد الإنسان إنسانا ما لم يتخصص بالقرآن ابتدأ بالقرآن، ثم قال خَلق الإنسان تنبيهاً على أن بتعليم القرآن جعله إنساناً على الحقيقة، ثم قال علمه البيان تنبيهاً على أن البيان الحقيقي المختص بالإنسان يحصل بعد معرفة القرآن فنبه بهذا الترتيب المخصوص وترك حرف العطف منه وجعل كل جملة بدلاً مما قبلها لا عطفاً على إن الإنسان ما لم يكن عارفاً برسوم العبادة ومتخصصاً بها لا يكون إنساناً، وان كلامه ما لم يكن على مقتضى الشرع لا يكون بياناً. فإن قيل فعلى ما ذكرته لا يصح أن يقال للكافر إنسان وقد سماهم الله بذلك في عامة القرآن. قيل انا لم نقل إنا لا نسمي الكافر على تعارف الكافة، بل قلنا قضية العقل والشرع تقتضي أن لا يسمى به إلا مجازاً ما لم يوجد منه العقل والشرع تقتضي أن لا يسمى به إلا مجازاً ما لم يوجد منه العقل المختص به، ثم أن سمي به على سبيل تعارف العامة فليس ذلك بمنكر فكثير من الأسماء يستعمل على وجه فيبين الشرع أن ليس استعماله على ما استعملوه كقولهم الغنيُّ فإِنهم استعملوه في كثرة المال، وبيَّن الشرع أن الغنى ليس هو بكثرة المال، قال عليه الصلاة والسلام:"ليس الغني بكثرة المال وإنما الغني غنى النفس". فيشير إلى أن الغنى ليس هو كثرة المال.