قوله الحق: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ ...(47) .
أي: بقوة، يريد - وهو أعلم بما ينزل: والسماء بنيناها فجعلنها على ما هي عليه خلقها وأمرها ممسكة بغير
عمد ترونها، بل بقدرة منا وأيدٍ آية، وقد تقدم أن السماء والأرض وما بينهما خلقهن
العزيز العليم بالحق.
ومن تقصى النظر وتابع التذكر وقف على أن هذا الحق المعني قد أسلكه فيهن
صغير ذلك وكبيره سلوك الأرواح في الأجسام والأغذية في الأبدان، بل أحله من
ذلك حلول الأول فيها والآخر والظاهر والباطن أبطن ذلك اليوم عن الأبصار
وأظهره لبصائر ذوي الألباب، فإذا كان اليوم الآخر وقوض البناء وبدل الأرض غير
الأرض والسماء أظهره إظهارًا وكشفه عيانًا، وهو المسمى: الحق المبين، أشار إلى
ذلك بقوله الحق: (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) .
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول إذا قام من الليل إلى الصلاة ونظر إلى السماء:"اللهم"
لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد، أنت ملك
السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد، أنت رب السماوات والأرض ومن
فيهن، أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار
حق، والملائكة حق، ورسلك حق، وكتبك حق، والصراط حق، والميزان حق،
والحوض حق، وما جاءت به رسلك وكتبك حق، اللهم إني أسالك فكلاك رقبتي من
النار"."
وقال الله - جل من قائل: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) . إلى قوله: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ)
ثم إلى آخر السورة، فاحرص - وفقك الله - إلى أن تعلم تفصيل
هذا الحق من خلقه السَّمَاوَات والأرض وما بين ذلك، فطوبى لك إن أوصلك إلى
ذلك.
نظم بذلك قوله الحق: (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) يعني: في اليوم
الآخر أوسع يومئذٍ توسيعًا لا تناسب بين ما هو الآن وبين ما هو يومئذٍ، عبر عن
ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"ما الدنيا في الآخرة إلا كإصبع أدخلته في اليم فانظر بما"
يرجع منها"."