نظم بذلك قوله الحق - تبارك وتعالى: (وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا ...(48)
يعني: اليوم، كما قال: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا) .
ثم قال: (فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ) أي: في اليوم الآخر وفي هذا
اليوم أيضًا، لكن تمهيدها على النهاية ذلك اليوم ذكر تمهيد الأرض آية على تمهيده
أرض الجنة، كما قد جاء من وصفها وتعداد أنعم؛ إذ جهنم - أعاذنا الله برحمته منها -
لا أرض فيها، إنما حالهم فيها رسوب إلى قعر ما هم فيه وصعود بالغليان، وربما
اضطروا إلى جبال فيها ليصعدوا عليها نوع من العذاب يضع أحدهم يده عليه
فتذوب، ويضع رجله فتذوب، ثم يجد ذلك منهم هكذا؛ فإذا صعد إلى حيث
شاء الله به ذلك زل فهوي إلى حيث شاء الله به ذلك، لا يذوقون لذيذ الشراب أبدًا،
ولا يستقرون على أرض أبدًا، ولا يضطجعون أبدًا، نعوذ بالله من أحوال أهل جهنم
فيِ الدنيا وفي الآخرة، فحيثما جاء ذكر تمهيد الأرض أو تعداد نعم فهو وصف
للجنة باعتقاد النمضل وتعريض بوصف جهنم، فافهم وفقنا الله وإياك.
أتبع ذلك جلّ ذكره: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49)
يقول، وهو أعلم: أوجدنا نورًا وظلامًا ونهارًا وليلاً، وشقاء وسعادة،
وصحة وسقمًا، وخيرًا وشرًّا، وغنًى وفقرًا، وشدة ورخاءَ؛ ليتذكروا بذلك الوعد
والوعيد والثواب والعقاب، وقد جاء في القرآن ذكر الزوجين بمعنى: الذكر والأنثى
في قوله - عز من قائل: (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(45) .
وجاء أيضًا ذكر الأزواج بمعنى: النبات، والتمييز بين ضروب الثمرات، فكل
نوع من ذلك زوج، لكن تمام العبرة بذلك إن شاء الله، وهو الموفق المرشد، إن الله
-عز وجل - خلق الدنيا مبنية على نفس جهنم - أعاذنا الله برحمته منها - وأنزل رحمته
بالماء من السماء، وقد مزجه بماء من ذلك في أجواء الهواء، ثم بما في الأرض من
ذلك أيضًا، ففصل الماء إلى الثلاث شعب فتح رحمته وفيح نفس جهنم على المزج
من ذلك، وإن كان قد أمال من ذلك ما أماله إلى خاصة كل شعبة منها، فمنها إلى