وقال الدكتور/ محمد حسين الصغير:
سورة (ق)
{فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) }
وقد حمل أبو مسلم، محمد بن بحر قوله تعالى: {فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} على هذا الملحظ، باعتباره إخبارا مؤكدا عن قوة المعرفة، لا من باب التأكيد على الشيء باسم ضده، لأن الجاهل بالله سبحانه في هذه الدنيا سيكون عارفا به في الآخرة، وتقول العرب فلان بصير بهذا الأمر، أي عارف به تماما، فأرادوا بذلك العلم والمعرفة لا الإبصار بالعين.
مما تقدم، يتجلى لنا مدى سيرورة المجاز اللغوي المرسل في القرآن، وكثرة ذيوعه وانتشاره، لأن مفردات هاتين الظاهرتين ما هي إلا الرصد لمفردات مماثلة دون استيعاب، ولكنها بالإضافة لما سبق من الفصول، وما سيأتي في علاقة المجاز المرسل تشكل سمة بارزة.
{يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30) }
ولكن الملاحظ عند ابن قتيبة أنه قد يخلط الحقيقة بالمجاز، فتحار باعتباره المجاز أحيانا، والحقيقة مجازا، ويحشر لذلك جملة من الآيات القرآنية دليلا على الموضوع.
فهو كما يرى أستاذنا الدكتور بدوي طبانة: لا يرى في إرادة الحقيقة عجبا في مثل قوله تعالى للسماء والأرض:
{ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} وقولهما: {أَتَيْنَا طَائِعِينَ} . أو قوله لجهنم {هَلِ امْتَلَأْتِ} فتقول: {هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} . لأن الله تبارك وتعالى ينطق الجلود والأيدي والأرجل ويسخّر الجبال والطير بالتسبيح [[1] ].
والحق أن ابن قتيبة صاحب مدرسة اجتهادية في استنباط المجاز من القرآن، فهو يجيل فكره، ويستعمل حدسه البلاغي في استكناه المجاز القرآني ليحقق مذهبه الكلامي في إثبات المجاز خلافا لفهم الطاعنين بوقوعه في القرآن. انتهى انتهى {مجاز القرآن، للدكتور/ محمد حسين الصغير} ...