(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ...(11)
ثم أخذ - جل ذكره - بسرد القول في حماية المؤمنين ألا يسخر مؤمن بمؤمن ولا بمؤمنة، وصى بذلك ذكرانهم وإناثهم، وألا يلقبه ولا يلمزه ولا يهمزه؛ وسمى
ذلك: فسوقًا، بين ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر"
وأوجب التوبة من ذلك والنزوع عنه، وألا يظن مؤمن بمؤمن سواء، وليناده بأحب
أسمائه إليه ويستشر له.
والظن: هو تغليب أحد الجانبين، فأوجب الله - جلّ ذكره - التثبت عندما
يعرض للنفس حتى يقع البيان، ومتى وقع البيان فالأفضل الستر وترك كشف
العورة، والظن المراد هنا بالنهي عنه هو: تجويز أحد الجائزات من الشر، فهذا
واجب اجتنابه وصرف النفس عن التحدث به، وتحويل وجه القلب عن ملاحظته،
وهو معنى قوله: (اجْتَنِبُوا) .
وعلم الله - جلَّ ذكره - أن النفوس مسارعة إلى ذلك؛ لأجل إغواء الشيطان
إياها، فجعل هذا الظن في حيز الكبر، ونهى عن التجسس، وقرأ عبد الله:"ولا"
[تحسسوا] "بالحاء غير معجمة، وقرأ بذلك الحسن وابن سيرين، والتجسس بالجيم:"
في الأخبار، والتحسس: في الآثار.
وقال: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا)
نصب (مَيْتًا) على الحال، وهي حال المغتاب أخاه غدًا في البرزخ يظفر لحم أخيه
ويجعل في فيه، فيتكرهه ولا يجد بُدًّا من أكله.
يقول الله - جلَّ جلالُه: (فَكَرِهْتُمُوهُ) أي: في الدنيا، فأنتم في تلك
الدار أشد كراهة له، رفع ذلك إلى النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، أعني: هذا التأويل.
وقرأ أبو حيوة:"فكُّرهتموه"بضم الكاف مثقلاً، وفسرها عباد: فكلفتموه أي:
كما هنالك، ثم دعاهم إلى التوبة بقوله - جلَّ جلالُه: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ(12) .
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ...(13) إلى: (خَبِيرٌ)