{وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ... (7) }
يَقُولُ سُبْحَانَهُ لَمْ تَكُنْ مَحَبَّتُكُمْ لِلْإِيمَانِ وَإِرَادَتُكُمْ لَهُ، وَتَزْيِينُهُ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ فِي قُلُوبِكُمْ كَذَلِكَ، فَآثَرْتُمُوهُ وَرَضِيتُمُوهُ، فَلِذَلِكَ لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِي، وَلَا تَقُولُوا حَتَّى يَقُولَ، وَلَا تَفْعَلُوا حَتَّى يَأْمُرَ، فَالَّذِي حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ أَعْلَمُ بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ مِنْكُمْ، وَأَنْتُمْ فَلَوْلَا تَوْفِيقُهُ لَكُمْ لَمَا أَذْعَنَتْ نُفُوسُكُمْ لِلْإِيمَانِ، فَلَمْ يَكُنِ الْإِيمَانُ بِمَشُورَتِكُمْ وَتَوْفِيقِ أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَقَدَّمْتُمْ بِهِ إِلَيْهَا، فَنُفُوسُكُمْ تَقْصُرُ وَتَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ وَلَا تَبْلُغُهُ، فَلَوْ أَطَاعَكُمْ رَسُولِي فِي كَثِيرٍ مِمَّا تُرِيدُونَ لَشَقَّ عَلَيْكُمْ ذَلِكَ وَلَهَلَكْتُمْ وَفَسَدَتْ مَصَالِحُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ، وَلَا تَظُنُّوا أَنَّ نُفُوسَكُمْ تُرِيدُ لَكُمُ الرُّشْدَ وَالصَّلَاحَ كَمَا أَرَدْتُمُ الْإِيمَانَ، فَلَوْلَا أَنِّي حَبَّبْتُهُ إِلَيْكُمْ وَزَيَّنْتُهُ فِي قُلُوبِكُمْ، وَكَرَّهْتُ إِلَيْكُمْ ضِدَّهُ لَمَا وَقَعَ مِنْكُمْ، وَلَا سَمَحَتْ بِهِ أَنْفُسُكُمْ.
فَهَذَا الْحُبُّ وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ لَمْ يَكُونَا فِي النَّفْسِ وَلَا بِهَا، وَلَكِنْ هُوَ اللَّهُ الَّذِي مَنَّ بِهِمَا، فَجَعَلَ الْعَبْدَ بِسَبَبِهِمَا مِنَ الرَّاشِدِينَ.
{فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}
(عَلِيمٌ) بِمَنْ يَصْلُحُ لِهَذَا الْفَضْلِ وَيَزْكُو عَلَيْهِ وَبِهِ، وَيُثْمِرُ عِنْدَهُ.
(حَكِيمٌ) فَلَا يَضَعُهُ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ فَيُضَيِّعُهُ بِوَضْعِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
وقال في (شفاء العليل)
قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}