فتحبيبه سبحانه الإيمان إلى عباده المؤمنين هو إلقاء محبته في قلوبهم وهذا لا يقدر عليه سواه وأما تحبيب العبد الشيء إلى غيره فإنما هو بتزيينه وذكر أوصافه وما يدعو إلى محبته فأخبر سبحانه أنه جعل في قلوب عباده المؤمنين الأمرين حبه وحسنه الداعي إلى حبه وألقى في قلوبهم كراهة ضده من الكفر والفسوق والعصيان وإن ذلك محض فضله ومنته عليهم حيث لم يكلهم إلى أنفسهم بل تولى هو سبحانه هذا التحبيب والتزيين وتكريه ضده فجاد عليهم به فضلا منه ونعمة والله عليم بمواقع فضله ومن يصلح له ومن لا يصلح حكيم بجعله في مواضعه.
[فَصْلٌ الْفُسُوقُ]
وَأَمَّا الْفُسُوقُ: فَهُوَ فِي كِتَاب اللَّهِ نَوْعَانِ: مُفْرَدٌ مُطْلَقٌ، وَمَقْرُونٌ بِالْعِصْيَانِ.
وَالْمُفْرَدُ نَوْعَانِ أَيْضًا: فُسُوقُ كُفْرٍ، يُخْرِجُ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَفُسُوقٌ لَا يُخْرِجُ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَالْمَقْرُونُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7] .
وَالْمُفْرَدُ الَّذِي هُوَ فُسُوقُ كُفْرٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ} [البقرة: 26] الْآيَةَ.
وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} [البقرة: 99]
وَقَوْلِهِ: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا} [السجدة: 20] الْآيَةَ.
فَهَذَا كُلُّهُ فَسُوقُ كُفْرٍ.
وَأَمَّا الْفُسُوقُ الَّذِي لَا يُخْرِجُ عَنِ الْإِسْلَامِ فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} [البقرة: 282] الْآيَةَ،
وَقَوْلِهِ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} الْآيَةَ.
وَالْمَقْصُودُ ذِكْرُ الْفُسُوقِ الَّذِي لَا يَخْرُجُ إِلَى الْكُفْرِ.
وَالْفُسُوقُ الَّذِي تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْهُ أَعَمُّ مِنَ الْفُسُوقِ الَّذِي تُرَدُّ بِهِ الرِّوَايَةُ وَالشَّهَادَةُ.