27 - {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا} ؛ أي: لقد جعل الله سبحانه رؤيا رسوله صادقةً، ولم يجعلها أضغاث أحلام، وقوله: {بِالْحَقِّ} إما صفة لمصدر محذوف؛ أي: صدقًا متلبسًا بالحق والحكمة البالغة: وهي التمييز بين الراسخ في الإيمان, والمتزلزل فيه، أو حال من الرؤيا؛ أي: متلبسةً بالصدق ليست من نوع أضغاث الأحلام؛ لأنّ ما رآه كائن لا محالة في وقته المقدر له: وهو العام القابل.
والمعنى: أراه الرؤيا الصادقة المتلبسة بالحق والحكمة، حيث قال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه وقت خروجه إلى الحديبية: والله {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ} تعالى حالة كونكم {آمِنِينَ} من العدوّ، فلا تخافون عدوّكم من أن يخرجكم في المستقبل، وهو حال من فاعل {لَتَدْخُلُنَّ} . والشرط: معترض، وكذا قوله: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ} ؛ أي: جميع شعورها {وَمُقَصِّرِينَ} بعض شعورها؛ أي: محلّقًا بعضكم، ومقصّرًا آخرون، وإلا فلا يجتمع الحلق والتقصير في كل واحد منهم، فالنظم من نسبة حال البعض إلى الكل؛ يعني: أنّ الواو ليست لاجتماع الأمرين في كل واحد منهم، بل لاجتماعهما في مجموع القوم، ثمّ إنّ قوله: {مُحَلِّقِينَ} و {وَمُقَصِّرِينَ} من الأحوال المقدرة، فلا يرد أنّ حال الدخول هو حال الإحرام، وهو لا يجامع الحلق والتقصير، وقدّم الحلق على التقصير: وهو قطع أطراف الشعر؛ لأن الحلق أفضل من التقصير، وقد حلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنى، وأعطى شعر شق رأسه أبا طلحة الأنصاري، وهو زوج أمّ سليم: وهي والدة أنس بن مالك، فكان آل أنس يتهادون به بينهم، وروي: أنه - صلى الله عليه وسلم - حلق رأسه أربع مرّات، والعادة في هذا الزمان في أكثر البلاد حلق الرأس للرجل، عملًا بقوله - صلى الله عليه وسلم:"تحت كل شعرة جنابة، فخلّلوا الشعر، وأنقوا البشرة". وإنما قلنا: للرجل؛ لأنّ حلق شعر المرأة مثلة، وهي حرام، كما أنَّ حلق لحية الرجل كذلك، فقوله: {لَتَدْخُلُنَّ} إشارة إلى أداء الحج، و {مُحَلِّقِينَ} إشارة إلى تمام الحج، فقوله: {لَا تَخَافُونَ} من العدوّ، فيبقى أمنكم بعد خروجكم عن الإحرام، حال مؤكدة من فاعل {لَتَدْخُلُنَّ} أو استئناف جوابًا عن سؤال أنه كيف يكون الحال بعد الدخول؟ أي: لا تخافون بعد ذلك من أحد.