قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ...(18)
قد تقدم أن هذه المبايعة كانت بالحديبية، والسكينة هنا هو: سكونهم
تحت شجرة حكم الله وحكم رسوله من اشتراط سهيل بن عمرو من محو"بسم الله"
الرحمن الرحيم"ومحو"محمد رسول الله"وسكونهم عن نصراني جندل، وقد كان"
فر إلى المسلمين، وذلك أن الله - جلَّ جلالُه - حبس ذلك الجيش من مكة كما حبس جيش
الحبشة الذي كان فيها الفيل.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني ناقته:" [الْقَصْوَاءُ] حبسها عنهم حابس الفيل".
نظم بذلك قوله الحق: (وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) فتح خيبر ومغانمها،
وغير ذلك من غنائم المسلمين.
نظم بذلك قوله: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ ...(20) . ثم امتن
عليهم بأن (كَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ) عنهم مع قلتهم، ولو شاء لسلطهم فاجتمعوا عليهم
من أقطارها، ثم عطف بالواو في قوله: (وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) تقديره:
رحمة بكم، ولتكون آية للمؤمنين.
كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه جملة الأمة يومئذٍ، وقد وعده الله - جلَّ ذكره - ألَّا
يسلط على الجملة عدوًا من غيرها يستأصل شأفتهم، فجعل اللَّه ذلك يومئذٍ آية
للمؤمنين على هذه التي يصحبهم إياها إلى يوم القيامة، فأصار ذلك من فعله آية
للمؤمنين في آخر الزمان حين ضعفهم وقلتهم من مخالفيهم على ما هم عليه
يأتهم الله بالكفاية أو بالنصر، وإن كان الإخبار عن المغانم التي عوضهم وعجل لهم
يومئذٍ بعضها، فتكون أيضًا آية للمؤمنين على المغانم الكثيرة التي وعدهم بها في
الآجل.
عطف على ذلك قوله: (وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) هذا مما تقدم
ذكره صدر السورة من إظهار الرغبة إلى الله - جل ثناؤه - في أن يمن على أحدنا
بما أعطاه نبيه بحكم التبعية، وفي الخبر:"إنه لما نزلت هذه السورة فقرأها عليهم:"