{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) }
افتتاح الكلام بحرف (إنّ) ناشئ على ما أحلّ للمسلمين من الكآبة على أن أجيب المشركون إلى سؤالهم الهدنة كما سيأتي من حديث عمر بن الخطاب وما تقدم من حديث عبد الله بن مغفل فالتأكيد مصروف للسامعين على طريقة التعريض، وأما النبيء صلى الله عليه وسلم فقد كان واثقاً بذلك، وسيأتي تبيين هذا التأكيد قريباً.
والفتح: إزالة غلق الباببِ أو الخزانة قال تعالى: {لا تُفتَّح لهم أبواب السماء} [الأعراف: 40] ويطلق على النصر وعلى دخول الغازي بلاد عدوّه لأن أرض كل قوم وبلادهم مواقع عنها فاقتحام الغازي إياها بعد الحرب يشبه إزالة الغلق عن البيت أو الخزانة، ولذلك كثر إطلاق الفتح على النصر المقترن بدخول أرض المغلوب أو بلده ولم يطلق على انتصار كانت نهايته غنيمة وأسر دون اقتحام أرض فيقال: فتح خيبر وفتح مكة ولا يقال: فتح بَدر وفتح أُحد.
فمن أطلق الفتح على مطلق النصر فقد تسامح، وكيف وقد عطف النصر على الفتح في قوله: {نصر من الله وفتح قريب} في سورة الصف (13) .
ولعلّ الذي حداهم على عدّ النصر من معاني مادة الفتح أن فتح البلاد هو أعظم النصر لأن النصر يتحقق بالغلبة وبالغنيمة فإذا كان مع اقتحام أرض العدّو فذلك نصر عظيم لأنه لا يتم إلا مع انهزام العدّو أشنع هزيمة وعجزه عن الدفاع عن أرضه.
وأطلق الفتح على الحكم قال تعالى: {ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين} الآية سورة ألم السجدة (28) .
ولمراعاة هذا المعنى قال جمع من المفسّرين: المراد بالفتح هنا فتح مكة وأن محمله على الوعد بالفتح.
والمعنى: سنفتح.
وإنما جيء في الإخبار بلفظ الماضي لتحققه وتيقنه، شُبه الزمن المستقبل بالزمن الماضي فاستعملت له الصيغة الموضوعة للمضي.