وَقَوْلُهُ: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى}
يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّ الَّذِينَ رَجَعُوا الْقَهْقَرَى عَلَى أَعْقَابِهِمْ كُفَّارًا بِاللَّهِ مِنْ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ وَقَصْدُ السَّبِيلِ، فَعَرَفُوا وَاضِحَ الْحُجَّةِ، ثُمَّ آثَرُوا الضَّلَالَ عَلَى الْهُدَى عِنَادًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مِنْ بَعْدِ الْعِلْمِ.
عَنْ قَتَادَةَ: «هُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ أَهْلُ الْكِتَابِ، يَعْرِفُونَ بَعَثَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ يَكْفُرُونَ بِهِ»
وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِذَلِكَ أَهْلَ النِّفَاقِ.
وَهَذِهِ الصِّفَةُ بِصِفَةِ أَهْلِ النِّفَاقِ عِنْدَنَا أَشْبَهُ مِنْهَا بِصِفَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ أَنَّ رِدَّتَهُمْ كَانَتْ بِقِيلِهِمْ {لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ} وَلَوْ كَانَتْ مِنْ صِفَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَكَانَ فِي وَصَفِهِمْ بِتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكِفَايَةُ مِنَ الْخَبَرِ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ إِنَّمَا ارْتَدُّوا مِنْ أَجْلِ قِيلِهِمْ مَا قَالُوا.
وَقَوْلُهُ: {الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: الشَّيْطَانُ زَيَّنَ لَهُمُ ارْتِدَادَهُمْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ، مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى.
وَقَوْلُهُ: {وَأَمْلَى لَهُمْ}
يَقُولُ: وَمَدَّ اللَّهُ لَهُمْ فِي آجَالِهِمْ مُلَاوَةً مِنَ الدَّهْرِ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ: الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ، وَاللَّهُ أَمْلَى لَهُمْ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْكُوفَةِ {وَأَمْلَى لَهُمْ} بِفَتْحِ الْأَلْفِ مِنْهَا بِمَعْنَى: وَأَمْلَى اللَّهُ لَهُمْ وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ (وَأُمْلِيَ لَهُمْ) عَلَى وَجْهِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ