[من روائع الأبحاث]
"كلام نفيس فِي أسرار كلمة لا إله إلا الله"
للإمام فخر الدين الرازي
قال عليه سحائب الرحمة:
(الفصل الأول في أسرار كلمة لا إله إلا الله)
قال الله سبحانه وتعالى لرسوله (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ)
اعلم أن الله تعالى قدم الأمر بمعرفة التوحيد على الأمر بالاستغفار، والسبب فيه: أن معرفة التوحيد إشارة إلى علم الأصول، والاشتغال بالاستغفار
إشارة إلى علم الفروع، والأصل يجب تقديمه على الفرع، فإنه ما لم يعلم وجود الصانع امتنع القيام بطاعتة وخدمته.
وهذه الدقيقة معتبرة فِي آيات كثيرة:
أولها:
أن إبراهيم عليه السلام لما اشتغل بالدعاء قدم المعرفة على الطاعة فقال: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) فقوله: (هَبْ لِي حُكْمًا) إشارة إلى استكمال القوة النظرية بمعرفة حقائق الأشياء، وقوله: (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) إشارة إلى استكمال القوة العلمية بالاجتناب عن طرفي الإفراط والتفريط. فقدم العلم على العمل.
وثانيها: أنه تعالى لما أوحى إلى موسى عليه السلام راعى هذا الترتيب
فقال: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى(13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) فقوله: (لا إله إلا أنا) إشارة إلى علم الأصول، وقوله: (فاعبدني) إشارة إلى علم الفروع.
وثالثها: أن عيسى عليه السلام لما أنطقه الله تعالى فِي وقت الطفولية
قال: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ) . فقوله: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) إشارة إلى علم الأصول، وقوله: (آتَانِيَ الْكِتَابَ) إشارة إلى علم الفروع، فإن احتياجه إلى الكتاب إنما يكون فِي معرفة الأحكام والشرائع، لا فِي معرفة ذات الله تعالى وصفاته.