وَقَوْلُهُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ بِنَصْرِكُمْ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَعْدَائِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ وَجِهَادِكُمْ إِيَّاهُمْ مَعَهُ لِتَكُونَ كَلِمَتُهُ الْعُلْيَا يَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ، وَيُظْفِرْكُمْ بِهِمْ، فَإِنَّهُ نَاصِرٌ دِينَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ.
عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} «لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ سَأَلَهُ، وَيَنْصُرَ مَنْ نَصَرَهُ» .
وَقَوْلُهُ: {وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}
يَقُولُ: وَيُقَوِّكُمْ عَلَيْهِمْ، وَيُجَرِّئْكُمْ، حَتَّى لَا تُوَلُّوا عَنْهُمْ، وَإِنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ، وَقَلَّ عَدَدُكُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا} بِاللَّهِ، فَجَحَدُوا تَوْحِيدَهُ {فَتَعْسًا لَهُمْ}
يَقُولُ: فَخِزْيًا لَهُمْ وَشَقَاءً وَبَلَاءً.
وَقَوْلُهُ: {وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ}
يَقُولُ وَجَعَلَ أَعْمَالَهُمْ مَعْمُولَةً عَلَى غَيْرِ هُدًى وَلَا اسْتِقَامَةٍ، لِأَنَّهَا عُمِلَتْ فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، لَا فِي طَاعَةِ الرَّحْمَنِ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"الضَّلَالَةُ الَّتِي أَضَلَّهُمُ اللَّهُ لَمْ يَهْدِهِمْ كَمَا هَدَى الْآخَرِينَ، فَإِنَّ الضَّلَالَةَ الَّتِي أَخْبَرَكَ اللَّهُ: يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ"قَالَ: «وَهَؤُلَاءِ مِمَّنْ جَعَلَ عَمَلَهُ ضَلَالًا» .
وَرَدَّ قَوْلَهُ: {وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} عَلَى قَوْلِهِ: {فَتَعْسًا لَهُمْ} وَهُوَ فِعْلٌ مَاضٍ، وَالتَّعْسُ اسْمٌ، لِأَنَّ التَّعْسَ وَإِنْ كَانَ اسْمًا فَفِي مَعْنَى الْفِعْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الدُّعَاءِ، فَهُوَ بِمَعْنَى: أَتْعَسَهُمُ اللَّهُ، فَلِذَلِكَ صَلُحَ رَدُّ أَضَلَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الدُّعَاءَ يَجْرِي مَجْرَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} مَرْدُودَةٌ عَلَى أَمْرٍ مُضْمَرٍ نَاصِبٍ لِضَرْبَ.
وَقَوْلُهُ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ}