(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
قالوا: ومن هذا الباب أيضا قوله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} ولم يأت بالشيء الذي جعل الجنّة مثلا له، وهذا يقتضي فساد الكلام وخلوّه من فائدة، واستعماله على غير ما يجب وذلك ينفي أن يكون من عند الحليم العليم.
يقال لهم: ليس الأمر في ذلك على ما قدمتم لأن المثل قد يكون معناه النسبة الذي هو مماثلة الشيء لغيره، لأنك تقول: هذا الشيء مثل هذا وأمثاله، كما تقول هذا شبه الشيء، وشبيهه وشبهه، وقد يكون بمعنى صفة الشيء وصورته، وكذلك المثل والمثال يكون بمعنى الصفة والصورة والخلقة، يدلّ على ذلك قولهم للمرأة الجميلة الرقيقة الرائعة كأنّها تمثال ومثال أي كأنّها صورة، وكما يقال كأنّها دمية، يعني الصورة، وهذه المرأة مثل أي صورة، ومنه قولهم مثلت له كذى أي صوّرته، وأرني مثال الدار ومثال زيد أي: صورة ذلك، وقولهم: مثّل له الحظّ أي صوّره له ما يقتفي فيه أثر الممثل، وهذا أظهر وأشهر من أن يحتاج إلى إكثار وإذا كان ذلك كذلك حمل قوله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ} إلى آخر ما نعتها به على أنّه أراد أنّ صورتها وصفتها أنّ فيها كذا وكذا. انتهى انتهى {الانتصار للقرآن، للباقلاني} ...