ومن لطائف ونكات تفسير الخطيب الشربيني:
سورة محمد (صلى الله عليه وسلم)
{وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ}
أي يفعل في ذلك فعل المختبر، ليرتب عليه الجزاء فيصير من قتل من المؤمنين إلى الجنة ومن قتل من الكافرين إلى النار.
«فَإِنْ قِيلَ» : فما فائدة الابتلاء مع حصول العلم عند المبتلي، فإذا كان الله تعالى عالماً بجميع الأشياء فأي فائدة فيه؟
أجيب: بأن هذا السؤال كقول القائل: لم عاقب الكافر وهو مستغن؟
ولم خلق النار محرقة وهو قادر على أن يخلقها بحيث تنفع ولا تضرّ؟
وجوابه: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} (الأنبياء: 23) .
{مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى}
(تنبيه)
قال أبو حيان في حكمة ترتيب هذه الأنهار: إنه بدأ بالماء الذي لا تستغني عنه المشروبات، ثم باللبن إذ كان يجري مجرى المطعومات في كثير من أوقات العرب، ثم بالخمر لأنه إذا حصل الريّ والمطعم، تشوّقت النفس إلى ما تلتذ به، ثم بالعسل لأنّ فيه الشفاء في الدنيا
مما يعرض من المطعوم والمشروب، ا. ه.
«فَإِنْ قِيلَ» : ما الحكمة في قوله تعالى في الخمر: {لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} ولم يقل في اللبن لم يتغير طعمه للطاعمين، ولا قال في العسل مصفى للناظرين؟
أجاب الرازي: بأنَّ اللذة تختلف باختلاف الأشخاص فرب طعام يلتذ به شخص، ويعافه الآخر. فقال: لذة للشاربين بأسرهم، ولأنّ الخمر كريهة الطعم في الدنيا فقال: لذة أي: لا يكون في خمر الآخرة كراهة الطعم. وأمّا الطعم واللون فلا يختلف باختلاف الناس، فإنّ الحلو والحامض وغيرهما يدركه كل أحد لكن قد يعافه بعض الناس، ويلتذ به البعض مع اتفاقهم على أنَّ له طعماً واحداً. وكذلك اللبن فلم يكن للتصريح بالتعميم حاجة.