{إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّواْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ}
الحديث هنا عن المنافقين، وقد بيَّنا أن النفاق لم يظهر في مكة رغم عدائها للدين، لكنه ظهر في المدينة التي احتضنته، ومنها انطلق للعالم كله، والسبب في ذلك أن الضعيف لا يُنَافَق إنما يُنَافَق القوي، فلما قوي المسلمون في المدينة وُجد بينهم النفاق.
يقول تعالى عنهم: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّواْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ .. } [محمد: 25] يعني: كانوا مؤمنين باللسان إنما قلوبهم ليستْ مؤمنة {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى .. } [محمد: 25] ظهر لهم الحق والرشاد والصراط المستقيم الذي جاء به محمد.
{الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ .. } [محمد: 25] سول لهم يعني: هيأ لهم وزيَّن لهم وحسن في نظرهم هذا المسلك المنحرف عن الحق فسوَّل بمعنى وسوس، كما قال تعالى حكاية عنه:
{قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف: 16] وقال:
{قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 82] .
ثم يلزم حدوده فيقول
{إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 83] فهؤلاء لا سلطان لي عليهم ولا مدخل لي إليهم.
والعجيب أن يكشف إبليس عن خططه في الإغواء، فيقول:
{لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف: 16] يعني: في طريق الطاعة ليفسدها عليك، لذلك قلنا: الشيطان يأتي المسجد ولا يأتي الخمارة.
وقال:
{ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ .. } [الأعراف: 17] من كل ناحية، وبأيّ شكل ومن أيّ باب يجد فيه ضعفاً منك يأتيك من باب المال وحب التملك، أو من باب النساء، أو من باب الشهرة وحب الظهور .. إلخ فلكل واحد من الناس مفتاح يدخل إليه من خلاله.
ومن رحمة الله بنا أن علَّمنا كيف نتحصّن منه، فقال تعالى:
{وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ .. } [الأعراف: 200] لأنك لا تقدر على ردِّه بنفسك فاستعن عليه بمَنْ خلقه، فإذا استعذت بالله منه خنس وتضاءل، لذلك سماه الوسواس الخناس.