فصل فِي مَعانِى السُّورةِ كامِلةً
قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني:
سورة الفتح
مدنيّة.
وهي تسع وعشرون آية بلا خلاف.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
1 - {إِنّا فَتَحْنا:} عن عمر: أنّه كان يساير رسول الله في بعض أسفاره فسأله عن شيء، فلم يجبه، قال: قلت: ثكلتك أمّك يا عمر، سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثلاث مرّات كلّ ذلك لا يجيبك، فحرّكت بعيري، وتقدّمت بين يدي، فلم ألبث أن سمعت صارخا ينادي، فأتيت رسول الله، وقد خشيت أن يكون نزل فيّ قرآن، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «قد أنزلت عليّ سورة هي أحبّ [إليّ] ممّا طلعت عليه الشّمس» ثمّ قرأ: {إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً.}
2 - {لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ:} وعن المغيرة بن شعبة: أنّ النّبيّ عليه السّلام صلّى حتى انتفخت قدماه، فقيل له: أتتكلّف هذا، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: «أفلا أكون عبدا شكورا؟» .
قيل: المراد بالفتح هو حكم الموادعة بين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبين المشركين عام الحديبية، ويحتمل: أنّه معنى قوله: {ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ} [فاطر:2] . وعن أنس قال: أنزل على النّبيّ عليه السّلام: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ} مرجعه من الحديبية، وقال النّبيّ عليه السّلام: «لقد نزلت عليّ آية أحبّ إليّ ممّا على الأرض» ، ثمّ قرأها عليه السّلام عليهم، فقالوا: هنيئا مريئا، قد بين الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي} [الفتح:5] حتى بلغ: {فَوْزاً عَظِيماً} [الفتح:5] .
وذكر الكلبيّ: أنّ الله تعالى لّما أنزل في المؤمنين من كتابه ما أنزل، وذلك في الحديبية قبل رجوع
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة بلغ ذلك ابن أبيّ بن سلول، فقال لأصحابه: هيهات، ما نحن إلا كهيئتهم، فأنزل الله: {وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ} [الفتح:6] . وعن معاذ بن جبل قال: