قوله عز وجل: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ... } الآية،
قال قوم: يريد فَتْحَ مَكَّةَ، وقال جمهور الناس، وهو الصحيح الذي تَعْضُدُهُ قصة الحديبية: إنَّ قوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ} إنَّما معناه هو ما يَسَرَّ اللَّه عز وجل لنبيِّه في تلك الخرجة من الفتح البَيِّنِ الذي استقبله، ونزلت السورة مؤنسة للمؤمنين؛ لأَنَّهم كانوا استوحشوا من رَدِّ قريشٍ لهم ومن تلك المهادنة التي جعلها اللَّه سبباً للفتوحات، واستقبل النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم في تلك السفرة أَنَّهُ هَادَنَ عَدوَّه ريثما يَتَقَوَّى هو، وظهرت على يديه آية الماء في بئر الحديبية؛ حيث وضع فيه سهمه، وثاب الماء حتى كَفَى الجيش، واتَّفَقَتْ بيعةُ الرضوان، وهي الفتح الأعظم؛ قاله جابر بن عبد اللَّه والبَرَاءُ بن عازب، وبلغ هَدْيُهُ مَحِلَّهُ؛ قاله الشَّعْبِيُّ، واستقبل فتح خيبر، وامتلأت أيدي المؤمنين، وظهرت في ذلك الوقت الروم على فارس، فكانت من جملة الفتح؛ فَسُرَّ بها صلى الله عليه وسلم هو والمؤمنون؛ لظهور أهل الكتاب على المجوس، وشَرَّفَه اللَّه بأنْ أخبره أَنَّه قد غفر له ما تقدَّمَ من ذنبه وما تأَخَّرَ، أي: وإِنْ لم يكن ذنب.
* ت *: قال الثعلبيُّ: قوله: {لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ} قال أبو حاتم: هذه لام القسم، لما حُذِفَتِ النون من فعله كُسِرَتْ، ونُصِبَ فعلها؛ تشبيهاً بلام «كي» ، انتهى.
قال عياض: ومقصد الآية أَنَّك مغفور لك، غيرَ مؤاخذ بذنب، إنْ لو كان، انتهى.