[من روائع الأبحاث]
(فصل: فِي التفسير الموضوعي للسورة كاملة)
قال الشيخ محمد الغزالي:
سورة الفتح
عاد المسلمون من عمرة الحديبية وقلوبهم كسيرة، كانوا يؤملون فِي زيارة البيت الحرام والطواف بالكعبة المشرفة والسعى بين الصفا والمروة، فلم يتحقق أملهم، وهاهم أولاء يعودون من مكة بعد مفاوضات شاقة مع المشركين ذاقوا فيها العنت، وكادت الحرب تنشب بين الفريقين لولا حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبينما هم يعودون أدراجهم إلى المدينة، نزلت سورة حافلة بالبشريات"إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما * وينصرك الله نصرا عزيزا". نصر! نعم ما وقع كان نصرا! وكان بداية الفتح العظيم. ما وقع كان بدء انطلاق الدعوة وزوال العوائق من أمامها، إنه بعد الشروط التي أملاها المشركون على النبي، وقبلها المسلمون كارهين، اتسعت دائرة البلاع وزاد الداخلون فِي الإسلام، واعترف بالدولة الإسلامية على أنها كيان قائم يأخذ لنفسه ولربه ما يريد، ولم يمض عامان حتى استسلمت مكة لصاحب الرسالة وهو يقود عشرة آلاف مقاتل، وتحطمت الأصنام التي غبرت قرونا تعبد من دون الله، وعلت راية التوحيد، وأذن بلال فوق الكعبة! إن حكمة الرسول فِي الحديبية آتت كل هذه الثمار فيما بعد، ولذلك بشره الله بالمغفرة والنصر، ثم امتدت البشرى إلى جمهور المؤمنين:"هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما * ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ..". أما أعداؤهم فلهم الويل فِي الدنيا والآخرة، سينهزمون ويسقط بينهم علم الشرك ولن تغنى عنهم قوتهم ولا حميتهم، فإن أحدا لن يغلب الله"ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما". وقد بعث الله محمدا بالحق ليمحو الجاهلية، ويبنى أمة تقوم بالتسبيح والتحميد! وكان الصحابة الأقدمون طليعة هذه الأمة العابدة المجاهدة وقد بايعوا على الموت فِي ساعة