وقال القاضي عبد الجبار الهمذاني (المعتزلي) :
سورة الفتح
بسم الله الرحمن الرحيم
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ) كيف يصح أن يستثنى في خبر بشر الرسول به وما فائدة ذلك؟ وجوابنا انه كان مع الرسول صلّى الله عليه وسلم من المعلوم أنه يموت فلا يقع منه الدخول فلذلك استثنى وقد قيل ان الاستثناء متعلق بالامن فكأنه قال لتدخلن المسجد الحرام وأنتم آمنون إن شاء الله لأن الأمن في داخل المسجد الحرام قد يتغير وقد قيل الفائدة أنه علّمنا كيف نخبر عن الأمور وأن نستثني في ذلك.
[مسألة]
وربما قيل في قوله من قبل (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) كيف يجوز فيما لم يقع من الذنب المتأخر أن يغفره؟ وجوابنا ان المراد ما تقدم من ذنبك قبل النبوة وما تأخر عنها وكلاهما مما يقع فيصح فيه الغفران فان قيل فما تعلق الغفران بالفتح حتى يقول تعالى فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله؟ وجوابنا انه لا يمتنع في الفتح أن يكون سببا في طاعات عظيمة مستقبلة تؤثر في غفران الذنب.
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) ما الفائدة في هذا الكلام؟
وجوابنا ان المراد انه أقوى منهم وأقدر وفي ذلك زجر لهم عن نكث البيعة فأما من يزعم أن لله تعالى يدا تبعا لهذا الظاهر فقد أبعد لأنه يلزمه إثبات يد
فوق أيدي الناس وفوق لا يستعمل إلا على وجه لم يجوزه أحد.
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ) ان ذلك توجب أنه لا حرج عليه في شيء. وجوابنا أنه لا حرج عليه ولا على المريض والأعرج في بعض العبادات كالجهاد وغيره وهذا معقول من الكلام.
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ) أليس ذلك يدل على أنه تعالى خلق فيهم ذلك الكف؟ وجوابنا أنه لا يقال إن فلانا كفّ فلانا عن كيت وكيت إلا بأن يبعثه على الكف ويسبب له ذلك فهذا هو المراد.
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ) ما المراد بهذه الرؤيا؟ وجوابنا انه صلّى الله عليه وسلم رأى كأن قائلا يقول له (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ) فحكاها الله تعالى كما رآها فهذا معنى الكلام نبه بذلك على أن في الرؤيا ما يصدق وما يكون خاطرا من قبل الله تعالى. انتهى انتهى. {تنزيه القرآن عن المطاعن / للقاضي عبد الجبار (المعتزلي) صـ 393 - 394} .