[من روائع الأبحاث]
(فصل: في الرد على بعض الشبهات)
(الإتيان بتركيب أدى إلى اضطراب المعنى)
منشأ هذه الشبهة:
هو قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9) .
وموطن هذه الشبهة - عندهم - هو الضمائر الثلاثة في:
"تعزروه"-"توقروه"-"تسبحوه".
ذكروا هذا، ثم قالوا:
"وهنا ترى اضطراباً في المعنى، بسبب الالتفات من خطاب محمد إلى خطاب غيره، ولأن الضمير المنصوب في قوله"وتعزروه وتوقروه"عائد على الرسول المذكور آخرًا."
وفى قوله"وتسبحوه"عائد على اسم الجلالة المذكور أولاً. هذا ما يقتضيه المعنى، وليس في اللفظ ما يعينه تعيينًا يزيل اللبس. فإن كان القول: وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً عائدًا على الرسول يكون كفرًا لأن التسبيح لله فقط، وإن كان القول"وتعزروه وتوقروه وتسبحوه"عائدًا على الله يكون كفرًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يحتاج لمن يعزره ويقويه"."
الرد على الشبهة:
لقد أطالوا - على خلاف عادتهم - في بيان هذه الشبهة كما ترى. والسبب أنهم أرادوا أن يضيقوا علينا الخناق أو يسدوا علينا الطريق ليحكموا علينا قبضتهم، على رأى المثل العامى"حلِّق حُوشْ"بيان ذلك أنهم يقولون لنا:
إذا جعلتم الضمائر الثلاثة عائدة على الرسول فقد كفرتم لأن الرسول بشر، والبشر لا يجوز أن يسبحهم أحد، لأن التسبيح لا يكون إلا لله.
وإذا جعلتم الضمائر الثلاثة عائدة على الله فقد كفرتم لأن الله غنى عن خلقه لا يحتاج منهم إلى تقوية ولا خلافه. فأين - إذن - أنتم تذهبون؟
ونقول لهؤلاء الكارهين لما أنزل الله على خاتم رسله:
نحن - المسلمين - لا نسبح أحداً غير الله، ولا نعبد أحداً غير الله، ولا نرفع حاجاتنا إلى أحدٍ غير الله، ولا نطلب غفران ذنوبنا من أحدٍ غير الله، ولا نقدم كشف حساباتنا إلى أحد غير الله، ولا نرجو ولا نخاف أحداً غير الله. والكتاب الذي أنزله الله على خاتم رسله لا لفَّ فيه ولا دوران، ولا قلق ولا اضطراب، لا في مبانيه، ولا في معانيه، ولا في مقاصده وقيمه، فمن توَّهم فيه اضطراباً فالاضطراب في عقله هو، وفي فهمه هو لا يتعداه إلى كتاب الله، ولا إلى المؤمنين به.