ومن لطائف ونكات تفسير الثعلبي:
سورة الفتح
(لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً(2)
قال أبو حاتم: هذه (لام) القسم، لما حذفت (النون) من فعله كسرت اللام ونصب فعلها بسببها بلام كي.
وقال الحسين بن الفضيل: هو مردود إلى قوله: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ (ولِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي)
وقال محمّد بن جرير: هو راجع إلى قوله: (إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ) (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ) قبل الرسالة (وَما تَأَخَّرَ) إلى وقت نزول هذه السورة.
عن سفيان الثوري (ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ) ما عملت في الجاهلية (وَما تَأَخَّرَ) كلّ شيء لم تعمله.
وقال عطاء بن أبي مسلم الخرساني: ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ يعني ذنب أبويك آدم وحوّاء ببركتك وَما تَأَخَّرَ ديوان أمّتك بدعوتك.
سمعت الطرازي يقول: سمعت أبا القاسم النصرآبادي يقول: سمعت أبا علي الرودباري بمصر يقول: في قول الله تعالى: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) قال: لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه.
(لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً(5)
عن قتادة في قوله سبحانه: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ)
قال أنس بن مالك: إنّها نزلت على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعد مرجعه من الحديبية، وأصحابه مخالطو الحزن والكآبة، قد حيل بينهم وبين مناسكهم ونحروا بالحديبية، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لقد أنزلت عليّ آية هي أحبّ إليّ من الدّنيا جميعا»
فقرأها على أصحابه، فقالوا: هنيئا مريئا يا رسول الله، قد بيّن الله تعالى ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟
فأنزل الله تعالى: (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ)
قال أهل المعاني: وإنّما كرّر (اللام) في قوله: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بتأويل تكرير الكلام مجازه إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ، إنّا فتحنا لك (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) . انتهى انتهى {تفسير الثعلبي} ...