وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ(15)
هذا يخرج على وجوه:
أحدها: أن قوله - تعالى: (وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) على حقيقة المثل، كأنه يقول: مثل الجنة التي وعد المتقون من جناتكم هذه لو كانت جناتكم في الدنيا على المثل الذي وصف في الآية، أليس كانت نفس كل أحد ترغب فيها، وتحرص في طلبها؛ لتكون تلك الجنة لها، فما بالكم لا ترغبون في تلك الجنة التي وعد المتقون في الآخرة لا ترغبون فيها، ولا تحرصون في طلبها؟ واللَّه أعلم.
ويخرج على هذا التأويل قوله - تعالى -. (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ) . أي: ليس من كان خالدًا في جنة من جناتكم التي ذكر وصفها كمن هو خالد في نار من نيرانكم.
والثاني: يحتمل قوله - تعالى: (الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) ما ذكر، فيخرج على الصلة؛ لما تقدم من قوله - تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) ثم وصف ونعت الجنة التي أخبر أنه يدخلهم فيها فقال: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) . أي: صفتها (فِيهَآ أَنهَارٌ مِنْ ... ) كذا وكذا الآية، وعلى هذا ما ذكر في آخره من قوله: (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ) . يحتمل أن يكون صلة قوله: (وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) ، ثم وصف تلك النار التي أخبر أنها مثوى لهم ومأوى لهم فقال: (وَسُقُوا مَآءً حمَيمًا ... ) الآية.