{مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ}
استئناف بياني لأن ما جرى من ذكر الجنة في قوله: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناتٍ تجري من تحتها الأنهار} [محمد: 12] مما يستشرف السامعُ إلى تفصيل بعض صفاتها، وإذ قد ذكر أنها تجري من تحتها الأنهار مُوهم السامع أنها أنهار المياه لأن جري الأنهار أكمل محاسن الجنات المرغوب فيها، فلما فُرغ من توصيف حال فريقي الإيمان والكفر، ومما أعد لكليهما، ومن إعلان تباين حاليهما ثُني العنان إلى بيان ما في الجنة التي وعد المتقون، وخص من ذلك بيان أنواع الأنهار، ولما كان ذلك موقع الجملة كان قوله: {مثَل الجنة} مبتدأ محذوف الخبر.
والتقدير: مَا سيوصف أو ما سيتلى عليكم، أو مما يتلى عليكم.
وقوله: {كمن هو خالد في النار} كلام مستأنف مقدر فيه استفهام إنكاري دلّ عليه ما سبق من قوله: {أفمن كان على بينة من ربه كمن زيّن له سوء عمله} [محمد: 14] .
والتقدير: أكَمَنْ هو خالد في النار.
والإنكار متسلط على التشبيه الذي هو بمعنى التسوية.
ويجوز أن تكون جملة {مثَل الجنة} بدلاً من جملة {أفمن كان على بينة من ربه} فهي داخلة في حيز الاستفهام الإنكاري.
والخبر قوله: {كمن هو خالد في النار} ، أي كحال من هو خالد في النار وذلك يستلزم اختلاف حال النار عن حال الجنة، فحصل نحو الاحتباك إذ دل {مَثَل الجنة} على مَثَل أصحابها ودلّ مثل من هو خالد في النار على مثل النار.
والمقصود: بيان البَون بين حالي المسلمين والمشركين بذكر التفاوت بين حالي مصيرهما المقرر في قوله: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعمل الصالحات جناتٍ} [الحج: 23] إلى آخره، ولذلك لم يترك ذكر أصحاب الجنّة وأصحاب النار في خلال ذكر الجنة والنار فقال: {مثل الجنة التي وُعد المتقون} وقال بعده {كمن هو خالد في النار} .