{وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ}
ينتقل السياق بنا إلى مجال آخر من مجالات الدعوة، فبعد أنْ حدَّثنا عن موقف الإنس وما كان منهم من تصديق لرسول الله أو تكذيب يُحدِّثنا عن الجن، وهم الجنس المقابل للإنس في الدعوة.
حيث أُرسل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين الإنس والجن، إذن: الجن جنس مكلّف مثلنا، لكنه غيب عنا فلا نراه
{إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ .. } [الأعراف: 27] .
والجن له خِفَّة في الحركة وتغلغل في الأشياء لطبيعته النارية، لذلك لو أشعلت النار خلف هذا الجدار بعد لحظات تُحس بها هنا. إذن: صدِّق أنه من نار، وأنه يتغلغل خلال الأشياء، وأن له طبيعة غير طبيعة الآدمي.
الحق سبحانه يريد أنْ يُبيِّن لنا أن الجن وإنْ كان غائباً عنَّا إلا أنه مثلنا في التكليف وأنه مثلنا مُخاطب بالقرآن، ومنه المؤمن والكافر والطائع والعاصي.
ونحن نعلم قصة الصراع بين الجن والإنسان، منذ خلق آدم عليه السلام وأمر إبليس بالسجود له فأبى واستكبر، وكانت حجته أنه خُلِق من نار، وآدم خُلِق من طين، فكيف يسجد له وهو أفضل منه على حَدِّ قوله:
{خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12] .
صحيح أن آدم هو أيضاً وقع في المعصية، لكن فرْقٌ كبير بين معصية آدم ومعصية إبليس، آدم عصى ربه حين أكل من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها، عصى عن غفلة وتغلب النفس ووسوسة الشيطان.
ثم لما عرف معصيته اعترف بها وتاب عنها واعترف بأنه أخطأ في حَقِّ ربه وظلم نفسه
{قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] وقال في البقرة:
{فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37] .
إذن: قُبلت توبة آدم لأنه لم يرد حكم الله، أما إبليس فردّ الحكم ولم يخضع له فطُرد من رحمة الله وأُبْعد، وفرْق بين أنْ تعصي الحكم وأنت معترف به، مُصدِّق بأنه من الله، وبين أنْ ترده.